أحمد بن أعثم الكوفي
491
الفتوح
أشراف الناس ، قال : واستقبله أهل الكوفة يهنئونه ويدعون له بالبركة ، ثم قال له أصحابه : يا أمير المؤمنين ! أتنزل القصر ؟ قال : لا ، ذاك قصر خيال ، ولكن أنزل الرحبة ، ثم أقبل فنزلها ، وحطت الأثقال ، ودخل علي رضي الله عنه إلى المسجد الأعظم فصعد المنبر فحمد الله واثنى عليه وقال ( 1 ) : الحمد لله الذي نصر وليه وخذل عدوه ، وأعز الصادق المحق وأذل الناكث المبطل ، ألا ! وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الامل ( 2 ) ، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق ، وأما طول الامل فينسي الآخرة ، ألا ! وإن الدنيا قد ارتحلت مدبرة ( 3 ) والآخرة عن قريب مقبلة ، ولكل واحدة منها ( 5 ) بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ، واليوم عمل ولا حساب ، وغدا حساب ولا عمل ، فإياكم يا أهل الكوفة وطاعة الله ، وطاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم ، الذين هم أولى بطاعتكم من المستحلين المدعين من الحق ما ليس لهم ، فقد ذاقوا وبال ما اجترموا ، فسوف يلقون غيا ، ألا ! وإنه قد قعد عن نصرتي رجال منكم وأنا عليكم عاتب ، فاهجروهم وأسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا ونرى منهم ما نرضى . قال : فقام إليه مالك بن حبيب اليربوعي وقال ( 6 ) : والله يا أمير المؤمنين ! إني لأرى الهجران لهم والاسماع لهم ما يكرهون قليلا بقعودهم عن نصرتك ، ووالله لئن أمرتنا لنقتلنهم ! فقال علي رضي الله عنه : سبحان الله يا مالك ! لقد جزت المدى وتعديت الحد وأغرقت في النزع ، وليس هكذا قال الله تعالى ، إنما قال : ( النفس بالنفس ) ( 7 ) وقال تعالى : ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا * ) ( 8 )
--> إ ( 1 ) نهج البلاغة خطبة رقم 42 باختلاف يسير . ( 2 ) طول الامل : هو استفساح الاجل والتسويف بالعمل طلبا للراحة العاجلة وتسلية للنفس بإمكان التدارك في الأوقات المقبلة ( عن محمد عبده ) . ( 3 ) في نهج البلاغة : ألا وأن الدنيا قد ولت حذاء فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الاناء اصطبها صابها . ( 4 ) في النهج : منهما . ( 5 ) وقعة صفين لابن مزاحم ص 4 . ( 6 ) المائدة الآية 45 . ( 7 ) سورة الإسراء الآية 33 . ( 8 ) وقعة صفين لابن مزاحم ص 4 - 5 باختلاف يسير .