أحمد بن أعثم الكوفي

492

الفتوح

فقام إليه أبو بردة بن عوف الأزدي وكان ممن تخلف عنه فقال : يا أمير المؤمنين ! أفرأيت القبيل الذين قتلوا يوم الجمل حول عائشة بماذا قتلوا ؟ فقال علي رضي الله عنه : قتلوا بما قتلوا به شيعتي وعمالي بلا ذنب كان منهم إليهم ، ثم صرت إليهم وأمرتهم أن يدفعوا إلي قتلة إخواني ، فأبوا علي وقاتلوني وفي أعناقهم بيعتي ودماء قريب من ألف رجل من شيعتي من المسلمين فقتلوهم ، أفي شك أنت من ذلك يا أخا الأزد ؟ فقال قد كنت شاكا ، والآن فقد عرفت واستبان لي خطأ القوم وأنك لانت المهدي المصيب . قال : ثم نزل علي رضي الله عنه عن المنبر وركب فصار إلى جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي فنزل عليه ، قال : وأقبل إليه سليمان بن صرد الخزاعي ( 1 ) مسلما ، فقال له علي رضي الله عنه : يا سليمان ! إنك ارتبت وتربصت وراوغت وقد كنت من أوثق الناس في نفسي فما الذي أقعدك عن نصرتي ؟ فقال : يا أمير المؤمنين : لا ترد الأمور على أعقابها ، ولا توبخني بما قد مضى ، واستبق مودتي يخلص لك نصيحتي ، فقد تعذرت أمورا تعرف فيها عدوك من وليك ، قال : فسكت عنه علي . فجلس سليمان بن صرد قليلا ثم نهض إلى المسجد الأعظم والحسن بن علي قاعد في المسجد ، فقال : أبا محمد ! ألا أعجبك من أمير المؤمنين وما لقيت منه على رؤوس الاشهاد من التبكيت والتأنيب ؟ فقال الحسن : إنما يعاتب من يرجو مودته النصيحة ، فقال سليمان : أما إنه قد بقيت ( 2 ) مواطن يتقصف فيها القنا وتتثلم فيها السيوف ، ويحتاج فيها إلى أمثالي ، فلا تستغشوا مودتي ولا تتهموا نصيحتي ، فقال له الحسن : أي رحمك الله ! ما أنت بالظنين . قال : ثم جعل يدخل إليه رجل بعد رجل ممن كان قد تخلف عنه يوم الجمل ، فإذا سلم عليه يقول له علي رضي الله عنه : وعليك السلام وإن كنت من المتربصين ! فلم يزل على ذلك من شأنه إلى أن جاءت الجمعة ، فخرج فصلى بالناس ، ثم بعث

--> ( 1 ) سليمان بن صرد بن الجون بن أبي الجون ، سماه رسول الله ( ص ) وكان اسمه في الجاهلية يسار ، يكنى أبا المطرف ، وكان فاضلا خيرا له دين وعبادة ، قتل في عين وردة سنة 65 . ( أسد الغابة ) . ( 2 ) ابن مزاحم ص 7 : إنه بقيت أمور سيستوسق فيها القنا ، وينتضى فيها السيوف .