أحمد بن أعثم الكوفي

486

الفتوح

ذكر ما جرى من الكلام بين عبد الله بن عباس وبين عائشة لما أنفذه إليها برسالته علي بن أبي طالب رضي الله عنهم . قال : ثم دعا علي رضي الله عنه بعبد الله بن عباس فقال له : اذهب إلى عائشة ( 1 ) فقل لها أن ترتحل إلى المدينة كما جاءت ولا تقيم بالبصرة ، فأقبل إلى عائشة فاستأذن عليها ، فأبت أن تأذن له ، فدخل عبد الله بغير إذن ، ثم التفت فإذا راحلة عليها وسائد فأخذ منها وسادة وطرحها ثم جلس عليها ، فقالت عائشة : يا بن عباس ! أخطأت السنة دخلت منزلي بغير إذني ( 2 ) ! فقال ابن عباس : لو كنت في منزلك الذي خلفك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخلت عليك إلا بإذنك ، وذلك المنزل الذي أمرك الله عز وجل أن تقري فيه ، فخرجت منه عاصية لله عز وجل ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، وبعد فهذا أمير المؤمنين يأمرك بالارتحال إلى المدينة فارتحلي ولا تعصي ، فقالت عائشة : رحم الله أمير المؤمنين ! ذاك عمر بن الخطاب ! فقال ابن عباس : وهذا والله أمير المؤمنين وإن رغمت له الأنوف واربدت له الوجوه ! فقالت عائشة : أبيت ذلك عليكم يا بن عباس ! فقال ابن عباس : لقد كانت أيامك قصيرة المدة ظاهرة الشؤم بنية النكد ، وما كنت في أيامك إلا كقدر حلب شاة حتى صرت ما تأخذين وما تعطين ولا تأمرين ولا تنهين ، وما كنت إلا كما قال أخو بني أسد حيث يقول : ما زال إهداء القصائد بيننا * شتم الصديق وكثرة الألقاب حتى تركت كأن قولك عندهم * في كل محتفل طنين ذباب قال : فبكت عائشة بكاء شديدا ثم قالت : نعم والله أرحل عنكم ! فما خلق الله بلدا هو أبغض إلي من بلد أنتم به يا بني هاشم ! فقال ابن عباس : ولم ذلك ؟ فوالله ما هذا بلاؤنا عندك يا بنت أبي بكر ! فقالت عائشة : وما بلاؤكم عندي يا بن عباس ؟ فقال : بلاؤنا عندك أننا جعلناك أم المؤمنين وأنت بنت أم رومان ، وجعلنا أباك صديقا وهو ابن أبي قحافة ، وبنا سميت أم المؤمنين لا بتيم وعدي ، فقالت عائشة : يا بن عباس ! أتمنون علي برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ولم لا نمن عليك

--> ( 1 ) خبر عائشة وابن عباس ( رض ) في مروج الذهب 2 / 408 . وتاريخ اليعقوبي 2 / 183 . ( 2 ) زيد في مروج الذهب : وجلست على رحلنا بغير أمرنا وزيد عنده : بعث معها أخاها عبد الرحمان بن أبي بكر وثلاثين رجلا .