أحمد بن أعثم الكوفي
463
الفتوح
النجدة ، فقال له الزبير : يا أبا الجرباء ! إننا لنعرف من الحرب ما لم يعرفه كثير من الناس غير أن القوم أهل دعوتنا ، ونحن وهم مسلمون ، وهذا أمر حدث في أمتنا لم يكن قبل اليوم ، ولا كان فيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم قول ، وبعد ذلك فهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه من لم يلق الله فيه بعذر انقطع عذره يوم القيامة ، ونحن مع ذلك نرجو الصلح إن أجابوا إليه ، وإلا فآخر الداء الكي . قال : وأقبل الأحنف بن قيس في جماعة من قومه إلى علي رضي الله عنه فقال ( 1 ) : يا أمير المؤمنين ! إن أهل البصرة يقولون بأنك إن ظفرت بهم غدا قتلت رجالهم وسبيت ذريتهم ونساءهم ، فقال له علي : ليس مثلي من يخاف هذا منه ، لان هذا ما لا يحل إلا ممن تولى وكفر ، وأهل البصرة قوم مسلمون ، وسترى كيف يكون أمري وأمرهم ! ولكن هل أنت معي فأعلم ! فقال الأحنف : يا أمير المؤمنين ! اختر مني واحدة من [ اثنتين ] ( 2 ) إما أن أكون معك مع مائتي رجل من قومي ، وإما أن أرد عنك أربعة آلاف سيف ، فقال علي رضي الله عنه : لا بل ردهم عني ، فقال الأحنف : أفعل ذلك يا أمير المؤمنين ! ثم انصرف . قال : وخرج الزبير وطلحة فنزلوا موضعا يقال له زابوقة ( 3 ) ، وهم ثلاثون ألف مقاتل ، وبلغ ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقام في الناس خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ! إني قد منيت بثلاث مرجعهن على العباد من كتاب الله : أحدها البغي ثم النكث والمكر ، قال الله تعالى : ( يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ) ( 4 ) ، ثم قال : ( فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ) ( 5 ) ، ثم قال : ( ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ) ( 6 ) ، ووالله لقد منيت بأربع لم يمن بمثلهن أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، منيت بأشجع الناس الزبير بن العوام ، وبأخدع الناس طلحة بن عبيد الله ، وبأطوع الناس في الناس عائشة بنت أبي بكر ، وبمن أعان علي
--> ( 1 ) الطبري 5 / 196 - 197 . ( 2 ) عن الطبري : اثنتين . وبالأصل يمين خطأ . ( 3 ) عن معجم البلدان ، وهو موضع قريب من البصرة وبالأصل ( رانوقة ) . ( 4 ) سورة يونس الآية 23 . ( 5 ) سورة الفتح الآية 10 . ( 6 ) سورة فاطر الآية 43 .