أحمد بن أعثم الكوفي

446

الفتوح

أتاني من الانباء أمر مجمجم * أجود بأنفاس الرجال فضيعوا إلى آخرها . قال : ثم أقبل معاوية على هذا الرجل القادم عليه فقال : أيها الرجل ! إن كان عندك مهز فهزني ، فقال : نعم ، فاسمع ما أشير به عليك ، إن عليا قد بايعه أهل الحجاز وأهل اليمن وأهل مصر وأهل الكوفة ولا أظن أهل البصرة بايعوه ، وأنك لتقوى على علي إن أردت مخالفته بدون ما تقدره نفسك ، لان الذين معك من أهل الشام لا يقولون إذا قلت ، ولا يسألون إذا سألت ( 1 ) ، والذين مع علي يقولون إذا قال ، ويسألون إذا أمر ، فقليل من معك خير من كثير من معه ، واعلم يا معاوية ! إن غلبه العراق والحجاز حتى تأخذ الشام دون العراق ، فقال معاوية : والله ! لقد صدقت في جميع ما قلت ، ولقد ندمت عن قعودي عن عثمان ، وقد استغاث بي فلم أجبه وأنا القائل في ذلك أبياتا مطلعها : أتاني أمر فيه للنفس غمة * وفيه بكاء للعيون طويل ( 2 ) إلى آخرها . قال : فشاعت هذه القصيدة بالمدينة وبلغ ذلك المغيرة بن شعبة ( 3 ) فجاء إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فقال : يا أمير المؤمنين ! إن لك عندي نصيحة فاقبلها ، فقال علي : وما تلك يا مغيرة ؟ قال : لست إني أخاف عليك أحدا يخالفك ويشعث عليك إلا معاوية بن أبي سفيان ، لأنه ابن عم عثمان والشام في يده ، فابعث إليه بعهده وألزمه طاعتك ، وابعث إلى عبد الله بن عامر بن كريز بعهده على البصرة ، فإنه يسكن عنك الأعداء ويهدي عليك البلاد ، فقال علي : ويحك يا مغيرة ! والله ما منعني من ذلك إلا قول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ( وما كنت متخذ المضلين عضدا ) ( 4 ) والله ! لا يراني الله تعالى وأنا أستعمل معاوية

--> ( 1 ) وقعة صفين : أمرت . وفي الاخبار الطوال : لا يقولون إذا سكت ويسكتون إذا نطقت ولا يسألون إذا أمرت . ( 2 ) من أبيات ذكرها نصر بن مزاحم في وقعة صفين ص 79 والاخبار الطوال ص 155 - 156 . ( 3 ) خبر المغيرة بن شعبة ونصيحته لعلي ( رض ) ) في الطبري 5 / 159 ومروج الذهب 2 / 391 البداية والنهاية 7 / 255 ابن الأثير 2 / 306 . ( 4 ) سورة الكهف الآية 51 .