أحمد بن أعثم الكوفي
420
الفتوح
يا أمير المؤمنين ! إن حقك اليوم على كل مسلم كحق الوالد على الولد ، فأمرني بأمرك ! فقال له عثمان : تخرج إلى هؤلاء القوم تكلمهم ، فعسى الله تبارك وتعالى أن يجري على يديك خيرا أو يدفع بك شرا . قال : فخرج عبد الله بن سلام إلى الناس ، فلما نظروا إليه ظنوا أنه إنما جاء ليكون معهم ، فرحبوا به وأوسعوا له في المجلس ، فلما جلس حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم وعظهم وذكرهم وقال ( 1 ) : أيها الناس ! إن الله تبارك وتعالى اختار من الأديان كلها دين الاسلام ، ثم اختار لدينه رسولا جعله بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، ثم اختار له من البقاع المدينة فجعلها دار الهجرة ودار الاسلام ، فلم تزل الملائكة تحف بها مذ سكنها رسوله محمد صلى الله عليه وسلم إلى يومكم هذا وما زال سيف الله مغمودا عنكم ، فأنشدكم الله أن لا تطردوا جيرانكم من الملائكة وأن لا تسلوا سيف الله المغمود ، فإن الله عز وجل سيفا لم يسله قط على قوم حتى يسلوه على أنفسهم ، فإذا سلوه لم يغمده عنهم إلى يوم القيامة ، فإياكم وقتل هذا الشيخ ! فإنه خليفة ، ووالله ! ما قتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفا من أمته عقوبة لهم ، ولا قتل خليفة من بعده إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفا ، فاتقوا الله ربكم في هذا الشيخ . قال : فنادوه من كل جانب : كذبت يا يهودي ! فقال عبد الله بن سلام : بل كذبتم أنتم ، لست بيهودي ولكني تركت اليهودية وتبرأت منها واخترت الله ورسوله ودار الهجرة والسلام ، وقد سماني الله تبارك وتعالى بذلك مؤمنا ، فقال عز وجل فيما أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ( قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم ) ( 2 ) ولقد أنزل الله تعالى آية أخرى إذ يقول الله عز وجل : ( قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) ( 3 ) . قال : ثم وثب عبد الله بن سلام من عند القوم فصار إلى عثمان فأخبره بذلك ، فبقي عثمان لا يدري ما يصنع .
--> ( 1 ) قارن مع الطبري 5 / 130 والإمامة والسياسة 1 / 42 . ( 2 ) سورة الأحقاف آية 10 . ( 3 ) سورة الرعد الآية 43 .