الشيخ محمد حسين الحائري

418

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

ولأن الناس مأمورون بالتمسك بالعترة والتمسك بمن يتمسك بهم بخلاف من يتمسك بهم وبغيرهم أو يقتصر على التمسك ببعضهم فإنه ليس تمسكا بهم وأما ما قيل في مثل أبان مع كونه ناووسيا من اجتماع العصابة على تصحيح ما يصح عنه والاقرار له بالفقه فغير مناف لما قررناه لان المراد تصحيح ما يصح عنه من الروايات دون الفتاوى ولا يلزم من جواز تعويل المفتي على رواياته جواز تعويل المقلد على فتاويه لان تعويل المفتي على الرواية مشروط بالفحص وعدم الظفر بالمعارض وما يوجب القدح في العمل بها فيتدارك ضعفها من حيث فساد مذهب الراوي بذلك بخلاف تعويل المقلد على الفتوى فإنه تعبدي محض فيبقى التعويل في حقه بلا تدارك وليس في إقرارهم له بالفقه ما يدل على حجية فتواه عندهم لعدم الملازمة بين الامرين فإن قبول الفتوى مشروط بالعدالة وليست الفقاهة مشروطة بها ومنها أن يكون بالغا فلا عبرة بفتوى الصبي وإن وجدت فيه بقية الشرائط لعدم شمول الأدلة له ولأنه لا يقبل روايته فلا يقبل فتواه بطريق أولى ويعتبر قطعياته في حق نفسه وفي ظنياته وجهان ومنها العدالة فلا يعتبر فتوى الفاسق وإن وجدت فيه بقية الشرائط لجواز قوله بخلاف معتقده أو تقصيره في الاجتهاد ولاية النبأ بناء على شموله للفتوى ولو علم بتحرزه عن التقصير والاجتهاد والقول بخلاف المعتقد مطلقا أو في خصوص فتوى فوجهان من الشك في حجيتها لعدم قيام قاطع عليها فيقتصر على حجية ما قطع بحجيته وهي فتوى العادل من أن العدالة إنما تعتبر للوثوق بعدم التقصير والقول بخلاف المعتقد وكلاهما منفيان في محل الفرض فيندرج في عموم الأدلة لا يقال لعل لوصف العدالة مدخلا في حد ذاتها أو لجهة أخرى لم نعثر عليها كما في الشهادة فإن قبولها مشروط بعدالة الشاهد فلا تقبل بدونها وإن علم بتحرزه عن تعمد الكذب والشهادة بدون العلم نعم لو علم بمطابقة شهادته للواقع قبلت عنه كما تقبل في المقام ولو علم بمطابقة الفتوى للواقع لأنا نقول قد قام الدليل في الشهادة على اعتبار العدالة فيها مطلقا ولا دليل هنا على اعتبارها مطلقا فيبقى عموم آيتي أهل الذكر والانذار وفحاوي الأخبار الدالة على حجية فتوى من أفتى بعلم بلا معارض في محل البحث والفرق بينه وبين غير المؤمن بعد وجود الايمان المصحح للتعويل عليه في الجملة شمول العمومات المذكورة له بخلاف غير المؤمن ويشكل بوجود المعارض وهو إطلاق آية النبأ بناء على شموله للفتوى كما هو الظاهر ويدل عليه قوله تعالى نبئوني بعلم إن كنتم صادقين بعد قوله قل الذكرين حرم الآية فإن مرجع الفتوى إلى الاخبار عن حكمه تعالى بل لا حقيقة لها سواه وإن كان تسميته فتوى باعتبار زائد على كونه خبرا وهو كونه مؤدى الدليل عند المخبر فالمنع من قبول قوله مطلقا أولى ويمكن أن يستدل عليه أيضا بأن الفاسق ظالم لقوله تعالى والفاسقون هم الظالمون والتعويل عليه في الفتوى ركون إليه وهو محرم لقوله تعالى ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتأمل فيه ثم على تقدير عدم جواز التعويل على فتواه فهل يجوز له إفتاء من يرى عدالته ويعول على فتواه وجوه ثالثها التفصيل بين قطعياته وظنياته فيجوز له الافتاء بما قطع به من الاحكام لثبوتها عنده في حق المستفتي واقعا ولا يعقل لوصف العدالة مدخل في ذلك دون ظنياته فإنها إنما تعتبر في حق المستفتي على تقدير عدالته واقعا على ما هو المفروض فإفتاؤه له في قوة بيان ثبوت الحكم في حقه والفرض عدمه لعدم شرطه فيكون إغراء له بالجهل وصدا له عن طلب ما يجب عليه من تحصيل الفتوى المعتبرة في حقه نعم لو كان فسقه بما لا يوجب الفسق في مذهب المستفتي جاز له الافتاء مطلقا لثبوته في حق المستفتي ولو شك المفتي في عدالة نفسه فإن كان لعدم علمه بمعناها وجب عليه معرفتها وإن كان لشكه في ثبوتها فإن ثبت عنده قبل الشك استصحبها وإلا اتجه إلحاقه بالفاسق في الحكم المذكور مع سبق فسقه لأن الشك في وجود الشرط المخالف للأصل لحكم العلم بعدمه لدلالة الأصل عليه هذا والتحقيق أن العدالة شرط في الاستفتاء لا في الافتاء لان آية النبأ إنما تدل على منع قبول نبأ الفاسق بناء على شموله الفتوى كما هو الظاهر لا على منع الانباء وأما المفتي الغير العادل إذا لم يتصف بعد بالفسق فالوجه إلحاقه بالعادل في جواز التعويل على فتواه ولا حاجة هنا إلى اشتراط الوثوق بعدم التقصير والقول بخلاف المعتقد إذ الفرض عدم اتصافه بالفسق واقعا لكن الفرض مع بعده مما يبعد اطلاع غيره عليه عادة فالحكم المذكور إنما يثمر في حق نفسه في جواز إفتائه بناء على منعه في حق الفاسق وأما مجهول الحال فالوجه إلحاقه بالفاسق كما في الرواية ولو تعذر الوصول إلى فتوى العادل مطلقا حيا وميتا جاز التعويل على فتوى الفاسق مع الضرورة وحصول الظن بعدم تقصيره وموافقة قوله لمعتقده ولو دار الامر بينه وبين عمل المتجزي بظنه وحج عليه بظنه ومنها أن يكون ضابطا فلا عبرة بفتوى من يكثر عليه السهو إلا مع الامن منه فيما يرجع إليه ووجهه واضح مما مر في خبر الواحد ومنها أن يكون مجتهدا مطلقا بأن يكون عنده ملكة يتمكن بها من رد الفروع إلى الأصول على الوجه المعتد به في عرف الفقهاء فلا يجوز تقليد غيره وإن كان عالما بالحكم عن طريق معتبر كالمقلد والمتجزي المعتقد لحجية ظنه أو القاطع بالحكم اقتصارا فيما ثبت الاشتغال به وهو التقليد على ما يقطع معه بحصول البراءة وهو تقليد المجتهد المطلق ويشكل بأن قضية عموم آية الانذار جواز التعويل على فتوى كل عالم