الشيخ محمد حسين الحائري
419
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
بالحكم بطريق معتبر شرعا فيتناول المقام ويمكن دفعه بأن عمومه معارض بظاهر آية أهل الذكر بناء على عدم تخصيصها بالأئمة عليهم السلام فإن المستفاد منها تعيين الرجوع إليهم عند عدم العلم وشمولها للمقلد إذا كان عالما وللمتجزي إذا كان عالما بنادر من المسائل بعيد جدا وحيث لا قائل بالتفصيل ولا مرجح لتحكيم أحدهما على الاخر يتعين التوقف والرجوع إلى فتوى المطلق تحصيلا للبراءة اليقينية ومنها أن يكون حيا فلا يجوز تقليد الميت مع إمكان الرجوع إلى الحي على ما هو المعروف بين أصحابنا خلافا لشأن فأجاز الرجوع إليه مطلقا ولا يتوهم مما مر حكايته في مسألة الشهرة عن بعض الأصحاب من أن الذين نشئوا بعد الشيخ كانوا يقلدونه في الفتوى لحسن ظنهم به أنهم كانوا يقولون بجواز تقليد الميت فيكون المشهور هو الجواز لما بيناه سابقا من أن متابعتهم للشيخ لم يكن عن تقليد بل عن اجتهاد ومع التنزل فلا بد من فرض عدم كونهم مجتهدين عند أنفسهم للاجماع على عدم جواز التقليد في حق المجتهد بعد الاجتهاد مطلقا وحينئذ فلعلهم كانوا لا يقولون باجتهاد أحد في زمانهم ولا ريب في جواز تقليد الأموات حينئذ مع أن الكلام في مخالفة من يعتد بمخالفته وهؤلاء على تقدير عدم كونهم مجتهدين لا يعتد بمخالفتهم وكيف كان فالأقوى هو الأول لنا وجوه الأول الأصل السالم عن المعارضة لعدم شمول الأدلة الدالة على حجية فتوى المفتي للمفتي الميت فإن منها الاجماع وانتفاؤه في محل النزاع واضح ومنها الضرورة وهي يندفع بجواز الرجوع إلى الحي مع ثبوت المرجح في حقه وهو اليقين بالبراءة معه دون غيره ومنها آية أهل الذكر وهي ظاهرة في الاحياء منهم بقرينة الامر بالسؤال ومنها آية الانذار والمفهوم منها وجوب حذر الفرقة عند إنذارهم وهو لا تكون إلا حال حياتهم ومنها حديث أبان وهو إنما يدل على حجية فتواه لمن استفتاه فيختص بظاهره بمن قلده حال حياته ومنها الأخبار الدالة بفحواها على حجية فتوى من أفتى الناس بعلم وهي إنما تدل على حجيتها في حق مستفتيهم فيختص بظاهرها بمن استفتاهم في حياتهم ولو سلم أن عموم بعض هذه الأدلة يتناول المجتهد الميت فلا ريب أن انعقاد الشهرة العظيمة التي كادت أن يكون إجماعا على خلافه مما يوهن شموله ويقدح في حجيته فيجب الرجوع إلى المجتهد الحي تحصيلا للبراءة اليقينية الثاني الاجماع المنقول على المنع حكاه غير واحد من أصحابنا وهو حجة في مثل المقام على ما مر تحقيقه لسلامته عما يوجب الوهن فيه فإن الغالب تطرق الوهن إليه من جهة وضوح الخلاف وقد مر أن الخلاف في المسألة شاذ جدا فيحصل الوثوق بالنقل المذكور ويمكن التمسك أيضا بالشهرة بناء على حجيتها كما ذهب إليه جماعة فإن هذه الشهرة من أظهر أفرادها وأجلاها لقربها من الاجماع لكن قد مر أن المختار عدم حجيتها ولهذا لم نذكرها في عداد الأدلة والعجب من الفاضل المعاصر أنه مع مصيره إلى حجية الشهرة والاجماع المنقول ذهب في المقام إلى الجواز وأجاب عن الاحتجاج بهما بوجوه منها أن غاية ما يستفاد من الشهرة والاجماع المنقول الظن بعدم الجواز وقاعدة انسداد باب العلم برهان قطعي على الجواز فلا يجوز تخصيصه بالظن ولو سلم أن القاعدة المذكورة ظنية فالظن المستفاد منها أقوى من الظن الحاصل من الشهرة والاجماع المنقول فيجب تقديمه عليه أقول أما الأول فسيأتي بيان ما فيه عند بيان الاحتجاج بالقاعدة المذكورة وأما الثاني ففيه أن القاعدة المذكورة إن كانت ظنية فإثبات حجية الظن بها واضح البطلان ومنها أن دعوى الاجماع في المسائل الأصولية سيما مثل هذه المسألة في غاية البعد لعدم تداولها بين أصحاب الأئمة وإنما هي من المباحث الحادثة أقول كثير من المسائل الأصولية مشتركة الحاجة بيننا وبين الموجودين في زمن الأئمة كحجية الكتاب وخبر الواحد والاستصحاب وأصل البراءة وغير ذلك فاستبعاده انعقاد الاجماع على المسائل الأصولية بقول مطلق مقطوع الفساد لان الحاجة إلى العمل بالأحكام تمس إلى البحث عن الطرق المقررة إليها لتعذر معرفتها بطريق القطع غالبا وهذا أمر مشترك بيننا وبين أكثر أهل تلك الاعصار لا سيما عند اشتداد أمر التقية وتعذر الوصول إلى الامام كما كان يتفق في حقهم غالبا ولا خفاء في أن أخذ الاحكام من العالم بها بطريق التقليد ليس من الأمور الحادثة في الأعصار المتأخرة بل كان متداولا في زمن الأئمة كما اعترف به الفاضل المذكور وغيره ويدل عليه الأخبار الواردة في باب التقليد كما عرفت ولا ريب أن هذه المسألة من الجزئيات الظاهرة لتلك المسألة بل لا يبعد دعوى عموم البلوى بمعرفتها لكثرة المقلدين في تلك الأزمان ووقوفهم كثيرا على فتوى الأموات فإن زماننا وزمانهم متقاربان في ذلك وحينئذ فأي بعد في اتفاق أهل تلك الاعصار على المنع من تقليد الأموات بحيث يستكشف به عن قول رئيسهم حتى يتجه تطرق المنع إلى الوثوق بنقل ناقله ومنها المنع من حصول الظن بالاجماع المنقول مع حصول الظن من تقليد الميت وهذا الوجه كما ترى يجري في جانب الشهرة أيضا وكأنه ترك التصريح به للوضوح وفيه أنه إن كان وجه المنع أن دليل حجية ظن العامي وإن كان من قول الميت وهو قاعدة انسداد باب العلم أقوى من الشهرة والاجماع المنقول على عدم الحجية فلا يحصل الظن بهما فسيأتي الكلام فيه عند بيان الاحتجاج بالقاعدة المذكورة وإن كان الوجه تنافي الظنين في نفسهما فضعفه ظاهر لتغاير موضوعهما فإن الظن بإصابة الطريق