الشيخ محمد حسين الحائري
394
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
فيبقى الاطلاق سليما في الباقي وقد تقدم الكلام في هذه الآيات وكالاخبار الدالة على ذلك منها قول أبي جعفر عليه السلام لأبان ابن تغلب اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك وعن الصادق عليه السلام من علم خيرا فله أجر مثل من عمل به قلت فإن علمه غيره يجري ذلك قال إن علم الناس كلهم جرى له قلت فإن مات قال وإن مات فإنه بعمومه يتناول الفتوى والرواية وعن الرضا عليه السلام يقال للفقيه يعني يوم القيامة يا أيها الكافل لأيتام آل محمد صلوات الله عليهم الهادي ضعفاء محبيهم ومواليهم قف حتى تشفع لكل من أخذ منك أو تعلم منك فيقف فيدخل الجنة ومعه فئام وفئام وفئام حتى قال عشرا وهم الذين أخذوا عنه علومهم وأخذوا عمن أخذ عنه إلى يوم القيامة فإنه كسابقه يعم الاخذ بطريق الفتوى والرواية لكن يشكل بأن تعميمها إلى الفتوى يستلزم جواز تقليد الأموات كما يدل عليه قوله عليه السلام عمن أخذ عنه إلى يوم القيامة وهذا غير مرضي عند الأكثر ويمكن دفعه بأن المراد من أخذهم عمن أخذ ما يعم الفتوى والرواية وتعليم كيفية الاستنباط فيخص الاخذ بالفتوى بحال الحياة جمعا بينه وبين الوجوه الآتية في محلها وفي مقبولة عمر بن حنظلة انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فلترضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما بحكم الله استخف وعلينا رد والراد علينا راد على الله وهو على حد الشرك بالله بناء على تعميم الحكم إلى ما يتناول الفتوى ولا ينافي ذلك ورودها في مقام المنازعة لان المتداعيين قد يتفقان في الموضوع ويختلفان في الحكم من غير بصيرة فيكتفيان بالفتوى من غير حكومة وقريب منها رواية أبي خديجة قال بعثني أبو عبد الله عليه السلام إلى أصحابنا فقال قل لهم إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى بينكم في شئ من الاخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق اجعلوا بينكم رجلا ممن عرف حلالنا وحرامنا فإني قد جعلته قاضيا الحديث إلى غير ذلك وإنكار بعض من لا تحقيق له من الفرقة الموسومة بالأخبارية حقيقة أمر الاجتهاد بالكلية لزعمهم أن الاخبار قطعية المتن والدلالة فلا سبيل إلى الاخذ بالظنون الاجتهادية مكابرة بينة ومباهلة جلية وهل هو إلا قول زور أو كلام صدر من غير شعور ولقد أغنى في فساده العيان عن إقامة الحجة عليه والبرهان وتشبثهم في ذلك بما ورد في الكتاب العزيز من الذم على اتباع الظن وما ورد في الاخبار من النهي عن القول برأي مدفوع بأن الذم على اتباع الظن في أصول الدين أو الظن الذي لا دليل على جواز اتباعه فإن اتباع الظن الذي قام دليل قاطع على وجوب اتباعه اتباع لذلك الدليل القاطع عند التحقيق دون الظن وقد سبق الكلام في ذلك والرأي عبارة عن القول بالهوى والتشهي أو القياس والاستحسان فإن الاخذ بالكتاب والسنة أو ما يرجع إليهما لا يسمى قولا بالرأي ومثل ذلك منع البعض من جواز التقليد وسيأتي الكلام فيه فصل وأما القسم الثاني وهو المتجزي في الاجتهاد فقد وقع البحث فيه في مواضع الأول في إمكانه فقد أطبق المحققون على الظاهر على إمكان بلوغ الناظر في الأحكام الشرعية درجة من العلم بحيث يتمكن من معرفة بعض الأحكام أو قليل منها عن أدلتها المقررة مع قصور نظره عن معرفة البواقي وهذا هو الحق بدليل وقوعه المعلوم بالوجدان والمشاهدة والاعتبار فإن مسائل الفقه ليست على حد سواء بل متفاوتة وضوحا وغموضا ولا يلزم من الاقتدار على تحصيل الواضح منها الاقتدار على تحصيل الغامض وكذلك أطبقوا على أن صاحب الملكة يتمكن من الاجتهاد في بعض الأحكام دون بعض فإن الاجتهاد في الاحكام تدريجي الحصول ولا يتوقف الاجتهاد في مسألة على الاجتهاد في بقية المسائل وخالف بعضهم فزعم أن من لا إحاطة له بالجميع يجوز تجويزا مساويا في كل مسألة يقف على مداركها ودلائلها الظنية أن يكون في جملة ما لا يحيط به من الدلائل ما يعارض من تلك الدلائل التي وقف عليها على وجه يساويها أو يترجح عليها فلا يحصل له ظن منها وهذا مع كونه قريبا من المكابرة مردود أما أولا فبالنقض بالمجتهد المطلق إذ المعتبر فيه إنما هو الملكة لا الإحاطة الفعلية فيتأتى في حقه الاحتمال الآتي في حق المتجزي لتساويهما في منشئه فإن وجود الملكة لا يوجب الاطلاع على المعارض ولعل المانع يطرد المنع إلى العام الثاني أيضا كما ينبئ عنه حجة وأما ثانيا فبالحل وهو أن الظن بعدم المعارض كثيرا ما يعرف بالفحص في مظانه أو بتصريح المتفحصين به فلا يتوقف على إحاطة الجميع مع أن إحاطة الجميع لا تنافي مرتبة المتجزي لامكان إحاطته بها على وجه يعلم بعدم تعلقها بمقصوده وإن عجز عن تحصيل مقتضياتها وما يترتب عليها الثاني في حجية ظنه في حقه وهو موضع خلاف بين القائلين بإمكانه فذهب قوم إلى القول بالحجية وذهب آخرون إلى إنكارها وربما نسب القول الأول إلى الأكثر والظاهر أنه وهم وإن شئت توضيح المقام فاعلم أن التجزي يطلق على معان أحدها أن يتمكن المجتهد من تحصيل الظن المعتبر عنده في جملة من الاحكام ويعجز عن تحصيل الظن في جملة منها إما لعدم وقوفه فيها على الدليل بعد الفحص المعتبر أو لتعارض الأدلة عنده بحيث يعقلها ويعرف محصلها على وجه يعتد به في عرف أهل الصناعة ولا يرى لبعضها رجحانا فيتوقف ولا ريب أن المتجزي بهذا المعنى مجتهد مطلق إن لم يكن كثير التوقف بحيث يخرج عن طريقة أهل العلم فيجب عليه العمل في موارد الظن بمقتضى ظنه وفيما لا دليل عليه على ما بنى عليه في حكمه من العمل بالأصل والاحتياط ويبني في موارد التعارض