الشيخ محمد حسين الحائري
395
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
والتكافؤ على التخيير أو الرجوع إلى الأصول وليس له أن يقلد في المقامين الأخيرين وربما قيل يقلد إذا توقف وهو ضعيف وكلام بعض القائلين بالتجزي يدل على إرادة هذا المعنى بل حكي في الايضاح عن القائلين بالتجزي أنهم احتجوا بأن كثيرا من الفقهاء يتوقفون في كثير من المسائل ولا يعلمون بها فلو لم يتجز لامتنع الاجتهاد وعطلت الاحكام فربما يستفاد منه أن هذا المعنى هو مراد الكل الثاني أن يستفرغ المجتهد وسعه في بعض الأحكام دون بعض مع تمكنه من الاجتهاد فيه وهذا هو المتجزي في مقام الفعلية وقد أطلق عليه المتجزي بعضهم وببالي أن منهم الشيخ في العدة ولا ريب أن المتجزي بهذا المعنى مجتهد مطلق ونظره في المسائل التي استفرغ وسعه فيها حجة في حقه وحق مقلديه وربما يظهر من العلامة والشهيد وقوع الخلاف في ذلك وسنشير إليه الثالث أن يتمكن المجتهد من معرفة بعض الأحكام على وجه يعتد به مع عجزه عن معرفة الباقي عجزا ناشئا عن قصور نظره وعدم تمكنه من الوصول إلى معرفة دلائله كما لو علم المتجزي أن الامر حقيقة في الوجوب وأن الخبر الصحيح السالم عن المعارض حجة وقصر نظره عن معرفة بقية مسائل الأصول ثم وجد في الفروع رواية صحيحة مشتملة على الامر بشئ وتفحص عن المعارض فحصا معتبرا فلم يظفر به وربما يكمل قوته في الأصول فيحيط بجميع مباحثها ويتجزى في الفروع فيتمكن عن استنباط بعض مسائلها منها دون بعض لعدم أنسه بمباحثها وعدم تحقق قوة التفريع والرد إلى الأصول عنده وهذا هو المتجزي في مقام الملكة وهو محل النزاع ولم يثبت القول بحجية نظر المتجزي بهذا المعنى إلا من بعض المتأخرين ولم يتعرض الشيخ والسيد لهذه المبحث في العدة والذريعة ولا المحقق في أصوله فما ظنك بغيرهم من المتقدمين عليهم ونقل بعض الأفاضل عن ظاهر الشيخ في بعض مصنفاته القول بالمنع والقول بالجواز منقول عن العلامة والشهيدين قال العلامة في القواعد في كتاب القضاء في بيان شرائط الاجتهاد المبيحة للقضاء والافتاء ويشترط أن يكون ذا قوة يتمكن بها من استخراج الفروع من الأصول ولا يكفيه حفظ ذلك كله من دون قوة الاستخراج ولا يشترط معرفة المسائل التي فرعها الفقهاء وفي تجزي الاجتهاد إشكال الأقرب جوازه انتهى ووجه النقل المذكور عنه أن مراده بالتجزي التجزي في القوة وهو غير متعين لامكان إرادته التجزي في الفعلية ويؤيده قوله قبله ولا يشترط معرفة المسائل التي فرعها الفقهاء فإنه يوهم اشتراط معرفة روس المسائل فيرجع اعتبار التجزي بالنسبة إليها لأنه أقرب إليه لفظا وقال في التهذيب في مبحث الاجتهاد والأقرب قبوله التجزئة لان المقتضي لوجوب العمل مع الاجتهاد في الاحكام موجود مع الاجتهاد في بعضها وتجويز تعلق المجهول بالمعلوم يدفعه الفرض انتهى وظاهره التجزي في الفعلية بدليل أنه عرف الاجتهاد باعتبار الفعلية أعني الاستفراغ دون ملكته فيرجع التجزي بالنسبة إليه لأنه قال في مبحث شرائط المجتهد والضابط فيه تمكن المكلف من إقامة الأدلة على المسائل الشرعية الفرعية وظاهره اعتبار القوة الكلية في مطلق المجتهد ثم تعرض لبيان الشرائط تفصيلا وعد منها قوة استنباط الأحكام الشرعية من المسائل الأصولية وظاهره أيضا كسابقه ويظهر من السيد العميد أن المتجزي من اجتهد في بعض المسائل وعجز عن الاجتهاد في غيرها وهو كما يحتمل المعنى الثالث كذلك يحتمل المعنى الأول كما هو ظاهر كلام الايضاح كما عرفت وعبارته في ذكر الشرائط لا يخلو من إجمال وقال الشهيد رحمه الله في الدروس في كتاب القضاء ويتجزى الاجتهاد على الأصح ثم قال وليس معرفة التفريع الذي ذكره الفقهاء شرطا لعدم تقييده به نعم ينبغي الوقوف على مأخذها لأنه أعرف له على التفريع انتهى وكلامه صالح للمعنى الذي نزلنا عليه كلام العلامة وكلام الشهيد الثاني في الروضة نص في اعتبار القوة الكلية لكن نقل عنه في المعالم القول بالجواز وبالجملة فكلمة المتعرضين من أصحابنا لهذه المسألة ليست جارية على مورد واحد فدعوى قيام الشهرة على حجية نظر المتجزي بالمعنى الأخير غير مسموعة وكلمة مخالفينا في هذه المسألة أيضا مختلفة المورد فإنهم احتجوا على القول بالتجزي بأن مالكا سئل عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين منها لا أدري قالوا فلو شرط في الاجتهاد والافتاء الإحاطة لجميع المسائل لما كان مالك مجتهدا ولا جاز له أن يفتي ولا ريب في ظهور هذه الحجة في إرادة جواز التجزي في فعلية الاجتهاد دون ملكته ثم أجيب عنها تارة بجواز تعارض الأدلة عنده في تلك المسائل وأخرى بأنه عجز في تلك الحالة عن المبالغة في النظر ولا يخفى ما في الجوابين لأنهما إنما ينهضان جوابا على تقدير أن يكون المقصود جواز التجزي بالمعنى الأخير والدليل إنما يساعد على إرادة غيره وكيف كان فلنرجع إلى محل البحث فنقول قد احتج الأولون بوجوه الأول أن المتجزي إذا استقصى أدلة مسألة بالفحص والتتبع فقد ساوى المجتهد المطلق في تلك المسألة وقصوره عن الإحاطة بأدلة بقية المسائل لا مدخل له في معرفة تلك المسألة وحينئذ فكما جاز للمجتهد المطلق أن يعول على نظره واجتهاده فيها فكذلك المتجزي ورد بأن هذا قياس مستنبط حيث ألحق المتجزي بالمجتهد المطلق لمساواته إياه في العلة وهي الإحاطة بأدلة تلك المسألة وهذه العلة مما لا نص على اعتبارها ولا هي في المتجزي أولى فيبقى اعتبارها مبنيا على مجرد الاستنباط ولا سبيل إلى دعوى القطع بكونه المناط في جواز التعويل على ظن المجتهد المطلق لجواز أن يكون لعموم القدرة مدخل في