الشيخ محمد حسين الحائري
391
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
واحتجاجهم بظواهره ففيه أنه لم يتبين أنهم يقولون بحجية ظواهره من حيث إنها ظواهره لجواز أن يكون تعويلهم عليها من حيث إنها مفيدة للظن المطلق ولا يخفى ما فيه من التكلف والاعتساف والخروج عن جادة الانصاف إذ ما ذكره في حق الأوائل من جمودهم في التمسك بالكتاب على ما كان مفيدا للقطع أمر مقطوع بفساده كما يظهر بالتتبع فيما حكي عنهم من مواضع الاحتجاج لأنها لكثرتها مما يحيل العادة وقوفهم فيها في محل الخلاف على القرائن المقتضية لاستفادة القطع مع أنا نراهم يقتصرون في مقام الاحتجاج على دلالة الآية ولا ينبهون الخصم على وجود القرائن ودعوى أن القرائن كانت معلومة عند الخصم في جميع موارد الاحتجاج مكابرة جلية ولم نقف فيهم على من يرد على خصمه بأن الآية ظاهرة وهي ليست بحجة ودعوى القرائن غير واضحة وأما ما ذكره في حق الأواخر فأوضح فسادا فإن حجية الكتاب عندهم من جهة الاجماع بل الضرورة والأخبار المتواترة ولهذا تراهم إذا نبهوا على دليل الحجية ذكروا ذلك ولو كان الامر كما زعمه لاحتجوا عليه بأن الكتاب مفيد للظن وكل ما يفيد الظن فهو حجة الثاني أن المستفاد من هذه الآيات إنما هو حرمة العمل بالظن الذي لا قاطع على حجيته والظن الحاصل من الكتاب قد قام الاجماع على حجيته فهو خارج عن مورد الآيات ولا حاجة إلى ارتكاب التخصيص في عمومها واعترض عليه المعاصر المذكور بأن الاجماع على تقدير تسليمه إنما قام على وجوب العمل بما هو المظنون من الكتاب وهو لا يصير الظن علما والضمير المجرور في قوله تعالى ما ليس لك به علم راجع إلى الموصول نفسه وإرجاعه إلى وجوب العمل به بأن يكون المعنى ما ليس لك به علم ولا بوجوب العمل به يوجب الخروج عن الظاهر من غير قرينة وحمل الآيات الناهية عن العمل بالظن على الظن الذي لا قاطع على حجيته تخصيص صريح فكيف يقال لا حاجة إليه وفيه ما لا يخفى فإن الاحكام التي يظن ثبوتها بظنون قام قاطع على حجيتها أحكام فعلية قطعا وإن كان كونها أحكاما أولية أي ثابتة لا بسبب عجز المكلف عن إصابة الواقع ظنيا فالمقتضي لتلك الأحكام لا يقتضيها من جهة ظنه بأنها أحكام أولية بل من جهة علمه بأنها أحكام فعلية سواء كانت واقعية أولية أو لا وتوقف علمه بالاعتبار الثاني على ظنه بالاعتبار الأول لا يصيره مقتضيا للظن بل مدار العمل على العلم خاصة والظن إنما يشخص موضوعه ويحقق مورده فظهر أن الظن بالحكم لا يصير علما به ولكن المظنون باعتبار يصير معلوما باعتبار آخر فالضمير المجرور في الآية يرجع إلى الموصول باعتبار نفس معناه ولا حاجة إلى ارتكاب تجوز أو تخصيص وكذا الكلام في آية الذم مع أن أثر الاشكال فيها أهون لأنها إنما تضمنت الذم على اتباع محض الظن كما هو قضية الحصر والاتباع هنا على تقدير الاغماض عما قلناه للمجموع المركب من العلم والظن وإلى ما حققناه هنا يرجع ما ذكرناه في توجيه تعريف الفقه بأنه العلم بالأحكام من أن المراد بالعلم معناه الحقيقي وبالأحكام الاحكام الظاهرية فإن محصله أن الفقه هو العلم بالأحكام الفعلية وإن كانت أدلتها الدالة على كونها أولية ظنية وإلى هذا البيان يرجع إلى ما قيل من أن ظنية الطريق الموصل إلى الاحكام من حيث كونها أولية لا تنافي العلم بتلك الاحكام من حيث كونها أحكاما فعلية وأما ما زعمه المعاصر المذكور في الحد من أن المراد العلم بظن الاحكام ففيه ما فيه لان العلم بالظن كالعلم بالعلم ليس من الفقه في شئ وإنما الفقه هو العلم بالأحكام الفعلية التي تقترن غالبا بالظن بأنها أحكام أولية وإطلاق الحكم على هذا الحكم الفعلي حقيقة قطعا وإن كان ظاهريا كمجازية إطلاقه على الحكم الواقعي مع انتفاء فعليته ودعوى أن الحكم الظاهري هو مجرد وجوب العمل بمقتضى الدليل توهم واضح لان وجوب العمل بالدليل متفرع على ثبوت مقتضاه في نفسه ولو مجردا عن اعتبار الأولية أو مستلزم لثبوت مقتضاه كذلك فكيف يكون نفسه مع أن الحكم الظاهري ينقسم في نفسه إلى الأقسام الخمسة التكليفية والوضعية فلو كان مجرد هذا الوجوب لانحصر في قسم واحد فاتضح مما قررنا أن الوجوه التي أوردها على الجوابين غير واردة عليهما بل التحقيق في المقام أن يقال هذه الآيات إنما تدل على حرمة العمل بالظن الذي لا قاطع على حجيته فإن العمل بالظن الذي قام قاطع على حجيته إما أن يكون باب العمل بالقطع دون الظن كما مر أو يخصص عموم الآية لجواز تخصيص الكتاب بالقاطع إجماعا وحينئذ فيبقى الكلام في إثبات حجية الظن بالأحكام فإذا قام قاطع عقلي أو نقلي على حجية مطلقه أو بعض أنواعه مطلقا أو في أمثال زماننا وجب العمل به والآيات المذكورة لا تدفعه فالذي يليق بمن يرى نفسه في عداد العلماء أن يدفع الاحتجاج بالآيات على حرمة العمل بالظن بقيام الدليل القاطع على حجية مطلق الظن في زماننا أو ظنون مخصوصة ويقص البحث على بيان الدليل ثم اعلم أن الظاهر الفعلي يساوق المظنون الفعلي كما أن الظاهر الشأني يساوق الظنون الشأني والظاهر بالمعنى الأعم يساوق المظنون بالمعنى الأعم ولا ريب في أن الشارع قد اعتبر جملة من أنواع الظاهر طرقا إلى معرفة موضوعات الاحكام كاليد والشهادة بأقسامها بالنسبة إلى مواردها المفصلة وقول المنكر مع يمينه وقول المدعي مع يمينه المردودة أو نكول المنكر على الخلاف وحكمه بالبناء على وقوع ما شك فيه بعد تجاوز المحل وعلى ظاهر إقرار الكامل ووصاياه وعقوده وإيقاعاته وأعماله وبإسلام من يوجد في دار الاسلام وكون ما يوجد