الشيخ محمد حسين الحائري

392

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

في أيدي المسلمين من اللحوم والجلود مذكى ونجاسة غسالة الحمام وطين الطريق بعد ثلاثة أيام على القول بهما للنص وبقول المرأة في استحقاقها تمام المهر بعد أن خلا بها زوجها فادعت وقوع الموجب وأنكره الزوج على قول جماعة وبقول من يدعي من الزوجين مهر المثل إذا تنازعا في مقداره على ما احتمله العلامة في القواعد وبقول البائع في تمام المبيع المقبوض إذا ادعى المشتري نقصانه مع حضوره لوقت الاعتبار إلى غير ذلك من النظائر فالشارع قد اعتد بالظاهر أعني ما من شأنه إفادة الظن وإن لم يفده عند الكل والبعض في هذه الموارد ولو مع التمكن من تحصيل العلم ثم لما كان مقتضى الظاهر غالبا مخالفا للأصل وقد ثبت اعتباره في جملة من الموارد وتقديمه على الأصل صح أن يقال إذا تعارض الأصل والظاهر قدم الأصل إلا في مواضع قام الدليل فيها على تقديم الظاهر فإن المراد بالتعارض أن يقتضي كل منهما ما يخالف مقتضى الاخر وهذا لا يقتضي أن يكون الظاهر حجة في نفسه ما لم يعارضه معارض كما زعمه المعاصر المذكور فاستشهد بكلام الشهيد الثاني في تمهيد القواعد حيث قال في خاتمة باب التعارض والتراجيح الأصل والظاهر قد يتعارضان إلى آخر ما ذكره على حجية الظاهر في نفسه نظرا إلى أن الأصل من الأدلة الشرعية ولا يعقل معارضة الظاهر له إلا مع كونه دليلا وذلك لما عرفت من أن المراد بالتعارض مجرد تنافيهما في المقتضى وهذا لا يقتضي حجية الظاهر في نفسه ولو سلم ظهور اعتبار التعارض في ذلك فلا بد من الخروج عن الظاهر لوجود القرائن الدالة عليه إذ قد صرح في الكتاب المذكور بأن الغالب تقديم الأصل على الظاهر حيث لا دليل على حجية الظاهر وقال في الروضة في دفع الاحتمال الذي حكيناه عن العلامة في مسألة المهر أن الأصل مقدم على الظاهر إلا فيما ندر ويستفاد من هذا الكلام ونظائره أن الظاهر ليس بمعتبر في نفسه وأن حجيته في بعض الموارد لدلالة الدليل إذ لو كان الظاهر دليلا في نفسه لوجب الخروج به عن مقتضى الأصل ولم يعقل تقديم الأصل عليه إلا في صورة نادرة إذ الأصل على ما صرحوا به ويساعد عليه دليل حجيته إنما يكون دليلا حيث لا دليل على الخلاف مع أن الدليل على حجية الأصل ثابت معلوم كما حققناه في محله وأما الدليل على حجية الظاهر في نفسه فمما لم نقف عليه ولا أشار إليه أحد فإن زعم أن تقديم الظاهر على الأصل في الموارد التي ثبت تقديمه عليه مما يرشد إلى أن المناط هو الظهور فيتسرى اعتباره إلى سائر الموارد ففساده واضح لان المستفاد من الأدلة الدالة على تقديم الظاهر في بعض الموارد حجية ظواهر خاصة في موارد خاصة بدليل ما اعتبر فيها من الشرائط الزائدة على اعتبار الظهور ألا ترى أن من أقسام الظاهر الشهادة وهي لا تقبل على النفي ولا ممن لم يثبت عدالته ولا من النساء في غير ما استثني ولا مما دون العدد المعتبر وهو يختلف باختلاف الموارد ولا من الصبيان ولا من أهل الكتاب في غير ما استثني إلى غير ذلك وإن حصل الظن بها ويقبل الشهادة المعتبرة وإن لم يحصل الظن بها وكذلك الحكم بمقتضى اليد واليمين في مواردهما فظهر أن الشارع قد نصب هذه الامارات بشرائطها التي قد اعتبرها بالنسبة إلى موارد خاصة وألزمنا بالعمل بها فيها على وجه التعبد فإذا لم يكن العبرة بالظن في موارد ثبوتها على ما يستفاد من أدلتها فكيف يستفاد منها اعتبار الظن في سائر الموارد ثم تمشية حجية الظن في الموضوعات إلى حجيته في الاحكام تعويلا على المناط المذكور غلط في غلط ودعوى أن من الموضوع ما هو سبب والسبب من جملة الأحكام الوضعية وهم واضح لوضوح الفرق بين السببية والسبب كالوجوب والواجب والذي يعد من باب الحكم هو الأول دون الثاني فإن الثاني موضوع للأول وليس من باب الحكم فإن قلت إذا لم يكن الظاهر حجة في نفسه فأي فائدة لعقد باب في تعارض الأصل والظاهر إذ العبرة على ما قررت بوجود الدليل لا بنفس الظهور ولا ريب أن الدليل يقدم على الأصل قلت فائدة عقد هذا الباب التنبيه على المواضع التي وجد فيها الدليل على العمل بالظاهر وبيان أن الظهور بمجرده لا يصلح دليلا على الاثبات كما يستفاد ذلك من سياق عبارة الشهيد الثاني في تمهيد القواعد القواعد مع أن العاقد لهذا الباب نادر من العلماء فلا يعتد بمقالته على تقدير عدم مساعدة كلامه على هذا التنزيل وقد تراهم يبحثون عن الظاهر في بيان معنى المدعي فيقولون هل المدعي من يدعي خلاف الأصل أو من يدعي خلاف الظاهر والتحقيق أن المدعي من يدعي خلاف الأصل إلا فيما قام الدليل على خلافه ومن يعتبر الظاهر هنا لا يريد به مطلق الظاهر بل ما يكون ظهوره ناشئا عن ملاحظة الغالب والعادة ويدعي أن هذا المعنى هو المفهوم من المدعي فيلزمه بالبينة عملا بعموم الرواية وليس في هذه المقالة ما يوجب حجية مطلق الظن في مطلق الموضوعات فضلا عن الاحكام ثم بعد ثبوت حجية جملة من الظنون فلا حاجة إلى التصرف في اليقين في قوله عليه السلام لا تنقض اليقين إلا بيقين مثله بحمل اليقين على ما يعم اليقين والظن المعلوم اعتباره كما زعمه الفاضل المذكور إذ الظن المعلوم اعتباره يرجع إلى اليقين بناقضية الناقض فيكون النقض أيضا باليقين لا بالظن وإن وقع في طريقه وقد مر تحقيقه آنفا ثم استشهد على حجية مطلق الظن باحتجاج الشهيد على العمل بظن تقدم بعض الفوائت بأنه راجح فلا يعمل بالمرجوح وعلى حجية الشهرة بقوة الظن في جانب الشهرة وباحتجاج العلامة على حجية الاستصحاب بأنه لو لم يجب العمل بالظن لزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو بديهي