الشيخ محمد حسين الحائري

337

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

هو الإباحة العقلية وعلى الأول إما أن يكون حكمه للفعل أو الترك وعلى التقديرين إما أن يكون مع تقبيح النقيض أو بدونه وهذه أحكام أربعة عقلية أعني الوجوب العقلي وحرمته وندبه وكراهته وأما حكمه الوضعي فكحكمه بشرطية الفهم والقدرة للتكليف وبسببية عدمهما لسقوطه وبصحة العمل الموقع على الوجه الذي أمر به بكلا معنييها وغير ذلك ثم إنه قد اتضح مما قررنا في التقسيم حدود الأحكام التكليفية الشرعية والعقلية وأن الواجب الشرعي ما ألزم الشارع بفعله بمعنى أنه طلب فعله ولم يرض بتركه والواجب العقلي ما حسن فعله عند العقل وقبح تركه والحرام الشرعي ما ألزم الشارع بتركه بمعنى أنه طلب تركه ولم يرض بفعله والحرام العقلي ما حسن تركه عند العقل وقبح فعله والمندوب الشرعي ما طلب الشارع فعله مع الاذن في تركه والمندوب العقلي ما حسن فعله عند العقل ولم يقبح تركه والمكروه الشرعي ما طلب الشارع تركه مع الاذن في فعله والمكروه العقلي ما حسن تركه عند العقل ولم يقبح فعله والمباح الشرعي ما رخص الشارع في فعله وتركه وخير بينهما والمباح العقلي المقدور الذي لا حسن في فعله وتركه فصل اختلف القائلون بالحسن والقبح العقليين في الملازمة بين حكم العقل والشرع فذهب الأكثرون إلى إثباتها مطلقا وصار آخرون إلى نفيها مطلقا وفصل بعض فخص النفي بالأحكام المتعلقة بالفروع وأثبتها في الأصول وذهب بعض الأفاضل إلى النفي في النظريات خاصة وتوقف شيخ الأشاعرة بعد التنزل عن أصله ولا بد أولا من تحرير محل النزاع فنقول نزاعهم في المقام يرجع إلى مقامين الأول وهو المعروف بينهم أن العقل إذا أدرك جهات الفعل من حسن أو قبح فحكم بوجوبه أو حرمته أو غير ذلك فهل يكشف ذلك عن حكمه الشرعي ويستلزم أن يكون قد حكم الشارع أيضا على حسبه ومقتضاه من وجوب أو حرمة أو غير ذلك أو لا يستلزم ثم عدم الاستلزام يتصور بوجهين الأول أن يجوز حكم الشارع بخلافه بأن يحكم العقل بإباحة شئ وبعدم استحقاق فاعله الذم ويحكم الشارع بحرمته مثلا واستحقاق فاعله الذم وعلى هذا فلا يستلزم حكم العقل حكم الشرع ولا حكم الشرع حكم العقل الثاني أن يجوز أن لا يكون للشارع فيما حكم العقل فيه بوجوب أو حرمة مثلا حكم أصلا لا موافقا ولا مخالفا وذلك بأن تخلو الواقعة عن الحكم رأسا وعلى هذا فيجوز أن يكون حكم الشارع عند هذا القائل مستلزما لحكم العقل بخلاف العكس المقام الثاني أن عقولنا إذا أدركت الحكم الشرعي وجزمت به فهل يجوز لنا اتباعها ويثبت بذلك الحكم في حقنا أو لا وهذا النزاع إنما يتصور إذا لم يقطع العقل بالحكم الفعلي بل قطع بالحكم في الجملة بأن احتمل عند اشتراط فعليته باستفادته من طريق النقل وأما لو قطع بالتكليف الفعلي بأن أدركه مطلقا غير متوقف على دلالة سمعي عليه فالشك في ثبوته غير معقول وهذا الوجه أيضا إنما يقتضي منع استلزام الحكم العقلي للشرعي دون العكس ولا يذهب عليك أن النزاع على التحرير الأخير يعم جميع ما يستقل بإدراكه العقل مما يبتني على قاعدة التحسين والتقبيح وما لا يبتني عليها وعلى التحرير الأول يختص بالقسم الأول وربما يقرر النزاع في أن العقل إذا أدرك أن الفعل أو الترك مطلوب له تعالى بطريق الالزام أو بدونه فهل يحكم بأنه موافق لما صدر عنه تعالى من الاحكام التي أنزلها على نبيه صلى الله عليه وآله وأودعها النبي صلى الله عليه وآله عند أوصيائه المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين أو لا أقول إن أريد بالطلب والالزام ما يتناول الثاني أعني ما يحتمل عند العقل أن يكون مشروطا بدلالة النقل عليه رجع إلى ما حررناه في المقام الثاني وإن أريد الطلب والالزام الفعليين كما هو الظاهر من البيان المذكور فظاهر والسقوط وذلك لان التحرير المذكور يتصور حينئذ على وجهين الأول أن يكون النزاع في أن العقل إذا أدرك أنه تعالى أراد فعل كذا في نفس الامر والواقع فهل يحكم أيضا بأنه أمر به فيما قرره من الشريعة أو لا الثاني أن يكون النزاع في أن العقل إذا أدرك مطلوبه ومراده فهل يدرك أن الواقع أيضا على حسب ما أدركه أو لا بل يجوز أن يكون الامر على خلاف ما أدركه وكلا الوجهين متضح الفساد أما الأول فلانه إنما يتصور المنع فيه على ما ذهب إليه الأشاعرة من أن مدلول الامر يغاير الإرادة ولا يستلزمها وأما على ما ذهب إليه الإمامية وغيرهم من أنه عينها أو يستلزمها فلا يعقل الانفكاك فلا يتصور النزاع وأما الثاني فلان إدراك العقل للمطلوب إن كان ظنيا فلا معنى لعدم تجويز المخالفة للواقع وإن كان قطعيا فلا معنى لتجويز مخالفته له هذا إن اعتبر التجويز بالنظر إلى عقل المدرك كما هو الظاهر وإلا فلا ريب في أن ظن أحد بالحكم أو قطعه به لا يوجب من حيث إنه كذلك ظن غيره أو قطعه به إذا تقرر هذا فالحق عندي في المقام الأول أن لا ملازمة عقلا بين حسن الفعل وقبحه وبين وقوع التكليف على حسبه ومقتضاه وإنما الملازمة بين حسن التكليف بالفعل أو الترك وبين وقوعه نعم جهات الفعل من جملة جهات التكليف فقد يقتضي حسن الفعل أو قبحه حسن التكليف به أو تبركه وقد لا يقتضي المعارضة جهة أخرى في نفس التكليف هذا إذا أريد بالملازمة الواقعية منها ولو أريد بها الملازمة ولو بحسب الظاهر فالظاهر ثبوتها لكن المستفاد من كلمات القوم إرادة المعنى الأول وسنشير إلى المعنى الثاني في أثناء المبحث وربما يظهر من بعض المحققين موافقته لنا في الذهب وأما في المقام الثاني فالحق ثبوت الملازمة في الظاهر وعدم ما يدل على عدمها في الواقع قلنا في المقام الأول دعويان لنا على أولهما أمور الأول حسن التكليف الابتلائي فإن الضرورة قاضية بحسن أمر المولى عبده بما لا يستحق فاعله من حيث إنه فاعله المدح في نظره استخبارا