الشيخ محمد حسين الحائري

338

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

لأمر العبد أو إظهار الحالة عنده غيره ولو كان حسن التكليف مقصورا على حسن الفعل لما حسن ذلك واعترض عليه بعض المعاصرين أولا بأن نفس الابتلاء أيضا مصلحة وإن لم يكن في نفس الفعل مصلحة وثانيا بأن المراد بالامر قد يكون محض الامتحان كحكاية إبراهيم عليه السلام فالمصلحة حينئذ إنما هو في الامتحان لا في الفعل وثالثا بأن تخصيص فعل بالامتحان دون غيره يستدعي جهة مقتضية ومصلحة معينة وإن لم يدركه عقولنا دفعا للترجيح بلا مرجح ثم قال وبالجملة العقل تابع لما أفاده الشارع فإذا اطلع على طلبه للفعل من حيث هو هذا الفعل حكم بحسن طلبه كذلك وإذا اطلع على طلبه من حيث الامتحان حكم بحسن طلبه من حيث الامتحان أقول أما الاعتراضات التي أوردها على الدليل المذكور فواضحة السقوط أما الأول فلان الابتلاء ليس من مصالح الفعل بل من مصالح الامر والتكليف فإن تحمل المشاق من حيث كونه تحمل المشاق مما لا حسن له وإنما الحسن في التكليف والالزام به في مقام يحسن فيه الاختبار لا يقال موافقة التكليف أيضا جهة من جهات الفعل ومصلحة من مصالحه بل راجحة على بقية جهاته ومصالحه لما فيه من استجلاب منفعة الثواب ودفع مضرة العقاب الراجح على سائر الجهات والآثار المترتبة عليه فبطل قولكم لا مصلحة في نفس الفعل أو الترك أو لا جهة مقتضية لأحدهما لأنا نقول ليس الكلام في الجهات المتفرعة على التكليف بل في الجهات التي يتفرع عليها التكليف وليس منها الجهات المذكورة وإلا لدار فإن قلت المراد بجهات الفعل ما يتناول جهات التكليف أيضا ككونه مما يحسن التكليف به فيسقط الدليل ولا يلزم المحذور لان تلك الجهات مغايرة للتكليف وسابقة عليه قلت حسن التكليف حينئذ لا يقتضي حسن الفعل بالعقل إلا بواسطة صدور التكليف فيلزم على مقالة الخصم توقف صدور التكليف على حسن الفعل المتوقف على صدور التكليف وهو الدور وإن أريد الحسن الثاني خرج عن محل البحث ولا كلام لنا فيه كما مر فإن قيل التكليف الاختياري المقصود به استعلام حال العبد بالعصيان والطاعة إذا تعلق بفعل فلا بد أن يتعلق به بقصد الامتثال لئلا يفوت الحكمة الباعثة على التكليف أعني الاختبار فإن موافقة الأمر والنهي لا بقصد الموافقة لا يتحقق الاختبار فالمقصود بتلك التكاليف حقيقة إنما هو امتثالها ولا دور لان وجود المأمور به مثلا موقوف على وجود الامر ووجوده موقوف على تعقل المأمور به أعني الفعل المقصود به موافقة الامر لا على وجوده وإلا لزم طلب حصول الحاصل وأما بحسب التعقل فهما متلازمان لأنهما متضايفان وهو واضح وحينئذ فقضية القول بالملازمة أن يكون للامتثال جهة محسنة له عقلا مع قطع النظر عن الشرع وهو كذلك ضرورة أن امتثال أوامره تعالى ونواهيه حسن عند العقل وإن قطع النظر عن حسنه الشرعي فلا يتم النقض قلنا حقيقة الامتثال هو الاتيان بالفعل أو الترك لموافقة التكليف المتعلق به فعلا فيتوقف إمكانه في حق المكلف على تحقق التكليف فيتوقف اتصافه بالحسن أيضا عليه لامتناع تحقق الصفة بدون الموصوف فحسنه متفرع على وقوع التكليف فلا يكون التكليف متفرعا على حسنه على أنه لو تم الوجه المذكور لثبت به المدعى أيضا إذ حسن الامتثال لا يختص بالافعال الحسنة وهو يوجب بطلان الملازمة وأما الثاني فلان المراد بالمراد بالامر إن كان هو الغرض الداعي إلى الامر فهو التزام بمقالتنا وليس فيه ما ينافيه وإن كان المراد به المطلوب بالامر أعني المأمور به كما يقتضيه التفريع فواضح الفساد لان إبراهيم عليه السلام لم يأمر بالامتحان كيف والامتحان من لوازم صدور التكليف الابتلائي سواء فعل المأمور أو لم يفعل إذ على التقديرين ينكشف حاله بالإطاعة والمعصية فيحصل الاختبار والامتحان وإن أراد أن المطلوب منه مجرد امتحان ولده إسماعيل عليه السلام وأنه راجح فمع عدم مساعدة سياق الآية عليه مما لم يذهب إليه ذاهب ومع ذلك فلا تعلق له بالمقام كما لا يخفى وأما الثالث فلان تخصيص فعل بالامتحان دون فعل لا يستدعي وجود مصلحة فيه بمعنى كونه مما يستحق فاعله المدح من حيث كونه فاعله بل يستدعي كونه مما يتأتى به الامتحان على القدر المقصود وهو يتبع مقدار مشقة الفعل وكلفته المراعى باستعداد المكلف وأهليته فيجوز أن يكون تخصيص بعض الأفعال لحصول القدر المقصود من الامتحان به دون غيره ولو قدر هناك أفعال متساوية في ذلك جاز تعيين البعض بناء على جواز الترجيح بلا مرجح ونلتزم على تقدير المنع بلزوم التكليف بالجميع على وجه التخيير أو نقول لا بد من سبق البعض بالذكر فيستغنى به عن ذكر الباقي وأما ما ذكره أخيرا من قوله وبالجملة فهو مخالف لما قرره أولا من أن حسن التكليف تابع لحسن الفعل إذ محصل كلامه هذا أن التكليف منه تعالى لا يقع إلا إذا كان حسنا وهذا حق لا ينافي ما قررناه الثاني التكاليف التي ترد مورد التقية إذا لم يكن في نفس العمل تقية فإن إمكانها بل وقوعها في الاخبار المأثورة عن الأئمة الأطهار عليهم السلام مما لا يكاد يعتريه شوب الانكار وإن منعنا وقوعه في حقه تعالى بل وفي حق النبي صلى الله عليه وآله أيضا فإن تلك التكاليف متصفة بالحسن والرجحان لما فيها من صون المكلف أو المكلف عن مكائد الأعادي وشرورهم وإن تجرد ما كلف به عن الحسن الابتدائي وطريانه بعد التكليف من حيث كونه امتثالا وطاعة لا يقدح في ذلك لان الكلام في الجهة المتفرع عليها التكليف لا الجهة المتفرع على التكليف وليس التكليف هناك بالمصلحة كما توهم مثله في الاختبار لأنها من لوازم التكليف كالاختبار دون العمل وليس التكليف حينئذ صوريا محضا مجرد ألفاظه عن إرادة المعنى لبعده عن مظان الاستعمال مع أن التكليف في الحقيقة