الشيخ محمد حسين الحائري
289
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
والفرق بين المقامين غير خفي فالمناط ممنوع ويمكن دفعه بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المحل والمورد مع أن بعض الآيات ظاهر أو صريح في الاحكام كقوله تعالى قل آلذكرين إلى قوله نبئوني بعلم إن كنتم صادقين وقوله تعالى قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون وقوله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش إلى قوله وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون إلى غير ذلك والمراد بالعلم في الآية الأخيرة ما يتناول الظن لشيوع الاطلاق عليه لا ما يختص باليقين وبهذا يجاب عن الآية الأولى وفيه أنه خلاف الظاهر فلا يصار إليه إلا لقرينة وقد يجاب عنها بأن الخطاب فيها شفاهي فلا يتناول غير الحاضرين لمجلس الخطاب أو غير الموجودين زمن الخطاب إلا بالاجماع وثبوته ممنوع في محل النزاع ويمكن دفعه بالتمسك في تعميم الحكم بالروايات الدالة بعمومها على التعميم إن ثبت خروجه عن حد الآحاد لئلا يؤدي حجيتها إلى عدم حجيتها ويمكن الجواب أيضا بأن هذه الآيات إنما تدل على حرمة العمل بالظن الذي لا قاطع على حجيته إذ العمل بالظن الذي قام دليل قاطع على حجيته راجع عند التحقيق إلى العمل بذلك الدليل القاطع فإذا دلنا أمارة قام على وجوب العمل بها قاطع على حكم واقعة فاتباعنا لها اتباع القطع وقولنا بمقتضاها قول بما نعلم ويؤيد ذلك في الآية الثانية أنها وردت ذما على الكفار في اتباعهم الظن ولا ريب أنهم كانوا يتبعون ظنا لا قاطع لهم على حجيتها مع أنه لا معنى للذم على اتباع الظن المقطوع بوجوب اتباعه ولهذا الكلام مزيد بيان يأتي في مبحث الاجتهاد والثاني الأخبار الدالة على حرمة العمل بغير العلم كالموثق إذا جاءكم ما تعلمون فقولوا به وإن جاءكم ما لا تعلمون فها وأهوى بيده إلى فيه وفي أخرى لا يسعكم فيما ينزل بكم مما لا تعلمون إلا الكف عنه الحديث وفي الحسن ما حق الله على خلقه فقالوا أن يقولوا ما يعلمون ويكفوا عما لا يعلمون إلى غير ذلك والجواب أن هذه الأخبار على تقدير تسليم تواترها بالمعنى إنما تدل على تحريم القول والعمل بغير العلم ولا ريب أن العمل بما قام على جواز العمل به قاطع عمل بالعلم وإن لم يكن في نفسه مفيدا للعلم كما في العمل بالشهادة وأخبار ذي اليد وظاهر اللفظ وغير ذلك وقد بينا الأدلة المفيدة للعلم بجواز العمل بخبر الواحد فلا يندرج تحت عموم هذه الأخبار الثالث الاجماع الذي حكاه السيد في جواب مسائل التباينات فقال إنا نعلم علما ضروريا لا يدخل في مثله ريب ولا شك أن علماء الشيعة الإمامية يذهبون إلى أن أخبار الآحاد لا يجوز العمل بها في الشريعة ولا التعويل عليها وأنها ليست حجة ولا دلالة وقد ملئوا الطوامير وسطروا الأساطير في الاحتجاج على ذلك والنقض على مخالفيهم فيه ومنهم من يزيد على هذه الجملة ويذهب إلى أنه مستحيل عن طريق العقول أن يتعبدنا الله بالعمل بأخبار الآحاد ويجري ظهور مذهبهم في أخبار الآحاد مجرى ظهوره في إبطال القياس في الشريعة وخطره وقال المسألة التي أفردها بالبحث عن العمل بخبر الواحد أنه بين في جواب المسائل التباينات أن العلم الضروري حاصل لكل مخالف للامامية أو موافق بأنهم لا يعلمون في الشريعة بخبر لا يوجب العلم وأن ذلك قد صار شعارا لهم يعرفون به كما أن نفي القياس في الشريعة شعارهم الذي يعلمه منهم كل من خالطهم وأجاب في الذريعة عن التمسك بعمل الصحابة والتابعين بأن الامامية تدفع وتقول إنما عمل بأخبار الآحاد المتأمرون الذين يتحشم التصريح بخلافهم والخروج من جملتهم فإمساك النكير عليهم لا يدل على الرضا بما فعلوه لان الشرط في دلالة الامساك على الرضا أن لا يكون له وجه سوى الرضا من تقية وخوف وما أشبه ذلك كذا نقل عنه في المعالم والجواب أن الاجماع المدعى على ذلك غير متحقق عندنا إن لم نقل بتحققه على خلافه ونقل السيد له غير خارج عن كونه خبرا واحدا ففي التعويل عليه نقض لدعواه على أن حكايته معارضة بحكاية الشيخ الاجماع على خلافه حيث قال في العدة على ما نقل عنه وأما ما اخترته من المذهب فهو أن خبر الواحد إذا كان واردا من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة وكان مرويا عن النبي صلى الله عليه وآله أو عن واحد من الأئمة عليهم السلام وكان ممن لا يطعن في روايته ويكون سديدا في نقله ولو لم يكن هناك قرينة تدل على صحة ما تضمنه الخبر لأنه إذا كان هناك قرينة تدل على ذلك كان الاعتبار بالقرينة وكان ذلك موجبا للعلم ونحن نذكر القرائن فيما بعد جاز العمل به والذي يدل على ذلك إجماع الفرقة المحقة فإني وجدتها مجتمعة على العمل بهذه الاخبار التي رووها في تصانيفهم ودونوها في أصولهم لا يتناكرون ذلك ولا يتدافعون حتى إن أحدا منهم إذا أفتى بشئ لا يعرفونه سألوه من أين قلت هذا فإذا أحالهم على كتاب معروف أو أصل مشهور وكان رواية ثقة لا ينكرون حديثه سكتوا وسلموا الامر في ذلك وقبلوا قوله وهذه عادتهم وسجيتهم من عهد النبي صلى الله عليه وآله ومن بعده من الأئمة عليهم السلام إلى زمان الصادق عليه السلام جعفر بن محمد الذي انتشر العلم عنه فكثرت الرواية من جهته فلو لا أن العمل بهذه الاخبار كان جائزا لما أجمعوا على ذلك ولأنكروه ولأن إجماعهم لا يكون إلا عن معصوم عليه السلام لا يجوز عليه الغلط والسهو ثم قال فإن قيل كيف تدعي الاجماع الفرقة المحقة في العمل بخبر الواحد والمعلوم من حالها أنها لا ترى العمل بخبر الواحد كما أن من المعلوم من حالها أنها لا ترى العمل بالقياس فإذا جاز ادعاء أحدهما جاز ادعاء الاخر قيل له المعلوم من حالها الذي لا ينكر ولا يدفع أنهم لا يرون العمل بخبر الواحد الذي يرويه مخالفهم في الاعتقاد ويختصون بطريقته فأما ما يكون راويه منهم وطريقه أصحابهم فقد بينا أن المعلوم على خلاف ذلك وبينا الفرق بين ذلك وبين القياس أيضا وأنه لو كان معلوما خطر العمل بخبر الواحد لجرى مجرى العمل بالقياس وقد علم خلاف ذلك انتهى وفي كلامه هذا تعريض لمقالة السيد كما لا يخفى على الفطن العارف ثم لو سلمنا الاجماع الذي حكاه