الشيخ محمد حسين الحائري

290

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

السيد على المنع فهو إنما يتجه بالنسبة إلى زمن التمكن من تحصيل الاحكام بطريق القطع كزمنه لقرب عهده بصاحب الشريعة وتوفر الامارات عنده وقد نبه على ذلك حيث قال إن معظم الفقه يعلم بالضرورة من مذاهب أئمتنا عليهم السلام وبالاخبار المتواترة وما لم يتحقق فيه ذلك فنعول على إجماع الإمامية وفي سائر المتخالفات يرجع إلى التخيير بين الأقوال انتهى ولا خفاء في أن ما ادعاه من معلومية معظم الفقه بالضرورة من المذهب مما لا سبيل إليه في زماننا هذا بل جملة من طرق الفقه منسدة في زماننا هذا بالنسبة إلى معظم الاحكام فلا يتمشى إجماع المذكور إليه وقد اعترف السيد في مسألة الامر بالشئ مع علم الامر بانتفاء شرطه أن الظن يقوم مقام العمل عند انسداد الطريق وهذا التزام منه بوجوب العمل بالظن في أمثال زماننا هذا ومن هنا يتبين ضعف ما ذكره أخيرا من التخيير بين الأقوال عند انقطاع طريق العلم إذ قضية ما ذكره هناك وجوب الرجوع حينئذ إلى الطرق الظنية ثم إن بعض المتأخرين رام الجمع بين الاجماع الذي حكاه السيد والاجماع الذي حكاه الشيخ لتناقضهما مع تقارب عهدهما فنزل كلام الشيخ على حجية الاخبار التي يقطع بصدورها عن المعصوم قطعا عاديا بمعنى ما يطمئن النفس بصدورها عن المعصوم قال وهذا مراد السيد بالعلم لأنه معناه عرفا ولغة وإطلاقه على ما لا يحتمل النقيض عقلا مبني على اصطلاح علماء المعقول وزعم أن ما عول عليه الشيخ من أخبار العدول والثقات مما يفيد العلم العادي بصحتها وصدقها واستشهد على ذلك بأنه إذا أخبرنا ثقة بما يستند إلى مشاهدته أو سماعه وجدنا لأنفسنا سكونا وركونا إلى خبره وهذا معنى العلم العادي وأنت خبير بأنه تكلف بارد وتوجيه فاسد فإن كلام الشيخ نص في حجية الاخبار الغير المفيدة للعلم حيث اعتبر تجردها عن القرائن المفيدة للعلم وأفرد ذكر الاخبار المحفوفة بالقرائن مع أنها لو كانت مقطوعة الصحة عنده لما كان لاحتجاجه على حجيتها بالاجماع معنى لتساويهما في الظهور والحجية كما لا يخفى ومن هنا يظهر أيضا ضعف ما زعمه صاحب المعالم من أنه لم يظهر من الشيخ مخالفته للسيد لقرب عهده بزمان المعصومين عليهم السلام ووجود القرائن المعاضدة كما ذكره السيد ورد بذلك على العلامة حيث نسب الخلاف إلى الشيخ ونزل على ذلك ما ذكره المحقق من أن ما يستفاد من كلام الشيخ تعويله على هذه الأخبار التي رويت عن الأئمة عليهم السلام ودونها الأصحاب دون مطلق الخبر وإن كان الراوي عدلا أمينا وأنت خبير بأن كلام المحقق مما لا دلالة على ذلك ثم دعوى إفادة الخبر الواحد الثقة للعلم في نفسه مما يخالف البديهية والعيان ويكذبه الوجدان لا سيما إذا تعددت الوسائط وخصوصا إذا كان الاخبار عن المطالب العلمية مع ما نرى من كثرة الاختلاف وتوافر أسباب الخلط والاشتباه على أن وثاقة كثير من الرواة مما لا قطع للشيخ ظاهرا فكيف بما يقطع بما يتفرع عليها ولو كان خبر الثقة في نفسه مفيدا للعلم لجرى الطريقة على قبول قول الشاهد الواحد الثقة بل قول المدعي وحده إذا كان ثقة وقد يتعذر للسيد بأنه اعتد فيما ذكره على أوائل المتكلمين من أصحابنا والعمل بخبر الواحد بعيد عن طريقتهم فغفل وعم الدعوى وأن الشيخ نظر إلى مسلك الفقهاء والمحدثين من أصحابنا وطريقتهم جارية على العمل به الرابع أن الظن الحاصل من خبر الواحد معارض بالظن الحاصل من أصل البراءة فيتكافئان فلا يبقى وثوق بالخبر والجواب أن الأصل بمجرده لا يفيد الظن بالبراءة لا سيما إذا ورد في مقابلة خبر معمول عليه وإلى هذا يرجع ما قيل من أن الظن الحاصل من الأصل أضعف من الظن الحاصل من الخبر فلا يصلح لمعارضته الخامس أنه حيثما يوجد خبر واحد فهناك يجوز وجود معارض أقوى منه ولو من نوعه فلو عمل به لزم العمل بالأضعف مع وجود الأقوى والجواب أن مجرد التجويز لا يقدح في حصول الظن بالخبر إذا كان وجود المعارض موهونا بعيدا كما هو محل الفرض السادس أن النبي صلى الله عليه وآله توقف في العمل بخبر ذي اليدين حيث قال أقصرت الصلاة أم نسيت فقال كل ذلك لم يكن حتى أخبره آخران به وذلك يدل على عدم قبول قول الواحد و الجواب أن الرواية المذكورة مخالفة لما تحقق عندنا من امتناع السهو والنسيان على النبي صلى الله عليه وآله فهي مطروحة لانتفاء شرط القبول في حقها ولو سلم فلا ريب في أن خبر الواحد إنما يقبل مع استجماعه لشرائط القبول فلعل بعضها كان مفقودا في حق المخبر كما يدل عليه قبول الخبر عند انضمام خبر الآخرين القبول إليه فإن ذلك لا يخرجه عن كونه خبرا واحدا مع أن المقصود إثبات حجية خبر الواحد في الاحكام لا في موضوعاتها والرواية إنما تدل على المنع في الثاني على أن التمسك بهذه الرواية مع كونها خبرا واحدا على عدم حجية خبر الواحد بظاهره تدافع إلا أن يكون المقصود إلزام القائلين بحجيته ولا يخفى ما فيه فصل يشترط في قبول خبر الواحد بناء على جواز العمل به أمور وهذه الشروط إنما تعتبر عند من قال بحجية خبر الواحد من حيث الخصوص كما هو المعروف بين أصحابنا سواء قال بحجيته من حيث كونه مفيدا للظن المخصوص أو من حيث نفسه والفرق بينهما عند التحقيق اعتباري إذ على الأول يراعى في وصفه بالحجية حصول الظن به بعد قطع النظر عن معارضة ما لم يثبت الاعتداد بمعارضته شرعا بخلافه على الثاني وهذا إنما يتم على القول بعدم انسداد باب العلم إلى الأدلة التي يجب علينا العمل بها إجمالا وتفصيلا وعلى القول بانسداد باب العلم إليها بناء على ما اخترناه من أن قضية ذلك فتح باب الظن في معرفة الأدلة وأما على ما بنى عليه جماعة من متأخري المتأخرين من حجية خبر الواحد من حيث كونه مفيدا للظن المطلق فلا وجه لذكر هذه الشرائط إلا أن يلتزموا بعدم حصول الظن من فاقدهما فيكون المقصود بذلك تعيين موارد الظن وهذا على إطلاقه ممنوع قطعا أو أن الفاقد لها مما قام دليل على عدم حجيته كالقياس والاستحسان