الشيخ محمد حسين الحائري
284
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
حصول أماراته وغاية ما يمكن في توجيهه أن يقال يستكشف من نهي الشارع عن العمل بهما عن وقوع الخطأ في إفادتهما غالبا وذلك يوجب الظن بخلاف مقتضاهما إلحاقا له بالأعم الأغلب فيقدح به الظن الحاصل بمقتضاهما للتعارض وهو كما ترى لمنع أصل التعليل أولا وعدم لزوم التكافؤ ثانيا ولهذا لا يعد موافقة القياس من قوادح العمل بالرواية ثم إنه تمسك في مبحث الاجتهاد على عدم إفادة القياس الظن بما ورد في الأخبار المتواترة من المنع عنه مع ما في بعضها من التعليل بأن دين الله لا يصاب بالعقول لان الحكم الكامنة في الأشياء لا يعلمها إلا الله الحكيم العليم وما ورد من أن الله لا يسأل كيف أحل وكيف حرم وما يرى من جمع الشارع بين المختلفات وتفريقه بين المؤتلفات كما في منزوحات البئر وغيرها فكيف يكون مجرد المناسبة والمماثلة منشأ لحصول الظن بالقياس ثم أكد ذلك بالاخبار الدالة على أن أول من قاس إبليس حيث لم يعرف الفرق بين النار والطين وبين آدم ونفسه فقاس آدم بالطين وبما دل على بيان وجه بطلان القياس من أن القتل يثبت بشاهدين والزنا لا يثبت إلا بأربعة شهداء مع أن القتل أكبر والبول يوجب الوضوء مع أنه من المني أكثر وصلاة الحائض لا يقتضي مع أنها أكبر من الصيام وسهم المرأة نصف الرجل في الميراث مع أنه أقوى منها إلى غير ذلك فما لا يدرك العقل فيه الحكمة إدراكا قطعيا لا يجوز الحكم فيه بالأوهام البادية التي تزول بملاحظة ما ذكر أقول دعوى أن القياس لا يفيد الظن بالحكم أصلا نهي الشارع عنه في مرتبة دعوى بعض الأخبارية قطعية الاخبار سندا ودلالة من جهة أمر الشارع بالعمل بها وكلاهما مكابرة يشهد صريح الوجدان على خلافهما وكيف كان فالوجوه المذكورة مدفوعة أما إجمالا فبأن العلة في القياس كما قد تكون معلومة فيعلم بتعدي حكم الأصل إلى الفرع كذلك قد يكون مظنونة فيلزم منه ظن ذلك ودعوى أن العلة إما أن تكون معلومة أو لا يكون مظنونة وأنه لا واسطة بينهما مخالف لما يشهد به الاعتبار الصحيح فإن اختلاف مراتب ما يوجب لحصول الاعتقاد قوة وضعفا يوجب اختلاف آثارها فينبعث منه القطع أو الظن بمراتبهما كما في الحدسيات وأما تفصيلا فبأن النهي عن العمل بأمارة لا ينافي حصول الظن منهما وإنما تنافي جواز العمل بها ألا ترى أن الشارع نهى عن سوء الظن بالمؤمنين ومع ذلك يحصل به عند وجود أماراته وإلا لامتنع مخالفة هذا النهي ولو كان النهي عن سوء الظن قبل حصوله باعتبار فعل الأسباب المفضية إلى حصوله ثم إلى بقائه وبعد حصوله وتعذر رفعه فالنهي عنه باعتبار البناء عليه والعمل على حسبه ولو كان النهي عن العمل بالظن موجبا لزواله لما تحقق الحكم الأخير وأما عن بقية الاخبار فبأن منها ما يدل على أن حكم الاحكام خفية لا يهتدى إليها وهذا منزل على الغالب فإن حكم بعض الأحكام مستفادة من العقل والشرع ومنها ما يدل على طرق الخطأ والاشتباه إلى القياس في موارد عديدة وليس الغرض من بيان تخلف إصابة القياس في تلك الموارد منع حصول الظن به مطلقا لان مثل التخلف المذكور متحقق في الاخبار بدليل وقوع التعارض فيها الكاشف عن خطأ أحد المتعارضين مع أنها لا تخرج بذلك عن إفادة الظن في الجملة بل المقصود الرد على أبي حنيفة وأشباهه من العامة القائلين بحجية القياس مطلقا والمقصود أن كثيرا من أنواعه مما لا يعتد بها لأنها بمرتبة الأمثلة المذكورة أو أضعف منها فلا محيص من الرجوع فيها إلى الحجية وأما مبنى الشريعة على الجمع بين المختلفات والتفريق بين المتفقات فلا أثر له في منع حصول الظن بالقياس وإلا لاثر في منع حصول العلم في تنقيح المناط بطريق أولى والوجدان أقوى شاهد على ذلك ألا ترى أن حكم الشارع بصحة بيع الفضولي يوجب الظن بالمناط الموجب لسريانها إلى العقود وحكمه بإيجاب إفضاء الزوجة بالدخول بها قبل التسع لتحريمها عليه مؤبدا ووجوب الانفاق عليها يوجب الظن بالمناط لانسحاب الحكم إلى غير الزوجة بل وإلى الكبيرة وإلى الافضاء بغير الدخول وربما كان المناط في البعض منقحا إلى غير ذلك مما يقف عليه المتتبع في الفقه مما لا حصر له الثاني أن التكليف بما لا يطاق وانسداد باب العلم مع بقاء التكليف لا يوجبان العمل بالظن الواقعي ولا بما يفيد الظن من حيث كونه مفيدا له بل بما يفيد الظن في نفسه مع قطع النظر عما يفيد خلافه وحينئذ يمكن استثناء القياس والاستحسان وبعد الاستثناء إذا تعارضت سائر الأدلة اعتبر الظن الواقعي ورجح على غيره وفيه أيضا نظر لان الدليل المذكور لو تم فإنما يدل على وجوب العمل بما يفيد الظن الفعلي من حيث كونه مفيدا له لا ما له شأنية إفادة الظن إذ لا فرق في نظر العقل بين الظن الشأني إذا تجرد عن الفعلية وبين الشك أو الوهم فكما أن الوظيفة الأولية هي العمل بما يفيد العلم الفعلي من حيث كونه مفيدا له لا من شأنه إفادة العلم كذلك الوظيفة الثانوية المستندة إلى انسداد الطرق إلى الوظيفة الأولي هي العمل بما يفيد الظن الفعلي من حيث كونه مفيدا له لا من شأنه إفادة الظن على أنا نقول لو دل الدليل المذكور على حجيته ما له شأنية إفادة الظن لدل عليه من حيث إن له شأنية إفادة ذلك لظهور أن هذا الوصف هو المناط والعلة في حكم العقل بحجيته وهذا أيضا جهة واحدة فاللازم عدم اختلاف حكمها باختلاف مواردها فالعدول عن كون الدليل مفيدا للظن الفعلي إلى الظن الشأني لا يجدي في دفع شئ من الاشكالين ولعل منشأ العدول أن ما يفيد الظن في نفسه لا بد وأن يتعدد حيث يوجد أمارة ثبت عدم اعتبارها شرعا إذا كان مقتضاه مخالفا للامارة لم يثبت عدم اعتبارها شرعا صح ترجيح الثانية لامتناع حكم العقل حينئذ بجواز العمل بهما معا امتناع حكمه بالتخيير لوجود المرجح الشرعي في البعض فضلا عن حكمه بترجيح المرجوح وإلى هذا يرجع محصل الاستثناء فإذا اختلفت الامارات وانتفي المرجح الشرعي اعتبر المرجح العقلي فيقدم ما أفادت الظن الفعلي