الشيخ محمد حسين الحائري

285

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

على غيره وعلى هذا البيان يلغو اعتباره لعدم اعتبار الحيثية فيما أفاد الظن في نفسه غاية الأمر أن يكون هذه الحيثية فيما إذا اختلفت الامارات مقتضية الحجية أحدها ويلزمه حجية القياس والاستحسان عند موافقتهما للدليل المعتبر بل يلزم منه حجيتهما في نفسهما غاية الأمر عدم نهوضهما بدفع ما يعارضهما كالأصل مع أنهم منعوا عن حجيتهما على الاطلاق وكذا الكلام فيما عداهما من الأدلة التي ثبت عدم اعتبارها شرعا كخبر الفاسق عند من يعول به الثالث أنا لا نسلم أن انسداد باب العلم بالنسبة إلى مورد القياس ونحوه لأنا نعلم حرمة العمل بمؤداه فنعلم أن حكم الله غيره وإن لم يعلم أي شئ هو ففي تعينه يرجع إلى سائر الأدلة وإن كان مؤداهما نفس مؤداه يعني أن الظن القياسي مثلا إذا اقتضى حكما من الاحكام فذلك الحكم باطل من حيث كونه مؤدى القياس وإن كان صحيحا من حيث كونه مؤدى دليل آخر وحينئذ فلا يتوجه الدليل المذكور بالنسبة إليه لعدم انسداد باب العلم فيه وفيه أيضا نظر لأنه إن أراد بالعلم ببطلان الحكم من حيث كونه مؤدى القياس العلم ببطلان نفس الحيثية على تأدية القياس كما هو الظاهر من بيانه فهذا راجع إلى العلم بعدم كون القياس حجة ولا جدوى له في دفع الاشكال كيف ومبنى الاشكال على العلم بعدم حجية القياس وإن أراد العلم ببطلان نفس المؤدى فهو غير معقول مع تجويز صحته لقيام دليل آخر الرابع المنع من ثبوت حرمة العمل بالقياس ضرورة حتى في زمن انسداد باب العلم أقول إن أراد مجرد المنع من كون تحريم العمل بالقياس في زمن انسداد باب العلم ضروريا فمع تسليمه لا يجدي في دفع الاشكال إذ يكفي في وروده ثبوت التحريم ولو بالدليل وإن أراد المنع من حرمة العمل بالقياس هنا كذلك كما هو ظاهر كلامه بل صريحه فهو عند أصحابنا الإمامية غلط واضح وخطأ فاحش قد صدرت مثل هذه المقالة الواهية عن ابن الجنيد فنقل أن الشيعة تبرأت منه حتى إنه لم يستطع المقام بينهم فخرج من بلادهم ثم استبصر وتاب ورجع وبالجملة لا يرتاب أحد من أصحابنا في بطلان العمل بالقياس والاستحسان ما دامت الأدلة المعهودة من الكتاب والكتب الأربعة وغيرها موجودة يمكن المراجعة إليها وإن قدر أن شيئا منها ليس بقطعي ومنع قيام ضرورتهم على ذلك مكابرة جلية لا يليق بالالتفات إليه وأما تنزيله للأخبار الدالة على حرمة العمل بالقياس على المنع من التشريع والبدعة والاستقلال لاقتضاء العلة ذلك لا لان الشارع حكمه كذا لأجل العلة كما في العمل بالخبر ففيه ما فيه أقول بل التحقيق في الجواب أن يقال انسداد باب العلم وبقاء التكليف إنما تقتضي حجية الظنون التي لا دليل على عدم حجيتها عند الانسداد من حيث إنها ظنون لا دليل على عدم حجيتها كذلك وهذا مطرد في جميع موارده وبالجملة فالعقل إنما يحكم على العنوان الخاص لا أنه يحكم على العنوان العام ثم يطرؤ عليه التخصيص فالذي يكشف عن ذلك أن العقل لا يحكم بمجرد انسداد باب العلم وبقاء التكليف لجواز العمل بكل ظن حتى بالظنون التي علم عدم جواز التعويل عليها ولو بعد انسداد العلم بل بما عدا ذلك من الظنون المحتمل الحجية ومن هنا يظهر أن القائل بحجية الظن المطلق إنما ينبغي له أن يقول بحجية مطلق الظن الذي لا دليل على عدم حجيته فيعتمد على كل ما لا دليل على عدم حجيته مما يفيد الظن الفعلي بعد قطع النظر عن معارضة ما ثبت عدم الاعتداد بمعارضته واعلم أنا لو التزمنا بانسداد باب العلم مع بقاء التكليف بها فلا يخلو إما أن نقول بأن قضية ذلك عقلا وجوب العمل بالظن فيها واقعا وحينئذ فيمتنع المنع من العمل ببعض الظنون كالظن القياسي وشبهه وإن قلنا بأن قضية ذلك وجوب العمل بالظن ظاهرا لم يمتنع المنع من العمل ببعض الظنون لقيام دليل على المنع كسائر الأحكام العقلية الظاهرية كالبراءة وشبهها وقد عرفت مما حققنا أن حكم العقل بحجية الظن هنا حكم ظاهري فلا إشكال في المنع من العمل بالقياس وشبهه فيرجع في مورده بحكم العقل إلى الأقرب إلى الواقع من بعده ولو مع قطع النظر إلى القياس مثلا وإن لم يكن ظنا فعليا ويظهر من استشكال الفاضل المعاصر في إخراج الظن القياسي والتجائه إلى منع حصول الظن به تارة ومنع بطلان حجيته أخرى ونحو ذلك من الوجوه المتقدمة توهمه للوجه الأول وهو كما ترى وكيف كان فالمعتبر على الأول كل أمارة مفيدة للظن وعلى الثاني كل أمارة من الامارات التي لا دليل على عدم حجيتها ولا أقرب منها في النظر إلى إصابة الواقع بعد الاغماض عما ثبت عدم حجيته سواء كان أفاد الظن أو لا والفرق بين أن تعتبر الامارات على أحد هذين الوجهين وبين أن تعتبر على وجه التعبد أن الامارات المعتبرة على وجه التعبد لا يعتبر فيها إفادتها للظن ولا كونها أقرب في النظر إلى الواقع وإن فرض حصوله فليس الحكم بالحجية منوطا به بل كان من المقارنات الاتفاقية كما في العمل بأصل البراءة والاستصحاب بخلاف الامارات المعتبرة على أحد هذين الوجهين فإن حجيتهما منوطة بالوصف المعتبر فيهما من الظن والأقربية ومن هنا يتضح ضعف ما ظنه المعاصر المذكور حيث زعم أن القول بحجية الفتوى في حق المقلد تعبدا بالشئ مما اشتهر بين الأصحاب من عدم جواز تقليد الميت فإن قول الميت قد يفيد الظن فلا يحصل من فتوى الحي فيكون الرجوع إليه تعبدا لعدم إناطته بحصول الظن وإن ذلك ينافي احتجاج بعض الأصحاب على تقديم الأفضل والأورع بكونه أرجح وأقوى من المفضول ووجه ضعفه أنه لا يكفي في كونه أمارة تعبدية عدم إناطة حجيتها بحصول الظن الفعلي منها بل يعتبر مع ذلك عدم إناطتها بما لا قرينة في نظر العامل كما عرفت والمنع من قبول قول الميت إنما يوجب عدم الإناطة بالظن الفعلي لا قرينة بل التحقيق أن المنشأ في ذلك ما نقرره من قيام الاجماع والضرورة ودلالة الكتاب والسنة على وجوب رجوع الجاهل إلى العالم من غير إناطة بوصف الظن والأقربية في نظره وهذا مع اتحاد المفتي موضع وفاق وأما مع تعدده واختلافهم في الأفضلية والأورعية فربما يوهم كلام بعضهم أنه يؤخذ بما هو الأقوى والأرجح في نظره في إصابة الحكم الفعلي وأنه قول الأفضل والأورع وهذا مع بطلان كليته كما لا يخفى لا ينافي كونه تعبديا بالمعنى الذي ذكره إذ لا يلزم من تقديم الأقوى والأرجح من أقوال المفتين إناطته بالظن مع احتمال أن يكون المراد قول الأفضل والأورع أقوى وأرجح في