الشيخ محمد حسين الحائري

274

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

يلتزم بعدم توقف الانذار على التقية واعلم أيضا أن إطلاق هذه الآية تعارض إطلاق منطوق آية النبأ معارضة العامين من وجه فيرجح إطلاق آية النبأ لتقويته بالتعليل والموافقة للأصل وحينئذ فيعتبر في المنذرين أن يكونوا عدولا فلا يستفاد من الآية إلا حجية خبر من يثبت عدالته بالقطع أو بطريق قطع ولا ريب في تعذر الامرين في زماننا بالنسبة إلى جل أخبار آحادنا المأثورة بل كلها فلا سبيل إلى استفادة حجيتها من هذه الآية لا يقال إذا تعذر العلم بعدالة الراوي تعين التعويل فيها على الظن وهو مما يمكن حصوله في حق الموثقين غالبا لأنا نقول انسداد باب العلم إنما يوجب فتح باب الظن مع العلم ببقاء التكليف فيه ونحن لا نعلم ببقاء وجوب العمل بخبر الواحد الواقعي بعد انسداد طريق العلم إليه بل الثابت حينئذ إما ذاك أو وجوب العمل بمطلق الظن والظنون الخاصة التي من جملتها العمل بخبر من يحصل الوثوق بصدقه وإن لم يحصل الوثوق بعدالته مع أن دلالتها ممنوعة من جهة أخرى أيضا وهي أنه لا خفاء في أن مجرد الاخبار عن أمر مخوف لا يسمى إنذارا ما لم يقصد معه التخويف وهذا خلاف طريقة أهل الرواية فإن الذي يظهر منهم أنهم يعنون في رواياتهم مجرد النقل والحكاية لا إلزام السامع المجتهد بالعمل بما يروونه بل الامر في ذلك عندهم محال إلى نظره وترجيحه ولهذا ترى أنهم كثيرا ما يروون الرواية ولا يعملون بها وأما حيث يقصدون الالزام فهو في الحقيقة من باب الافتاء وعلى مقلديهم ليس حجة في حق المجتهد قطعا ودعوى حجية إخبارهم على المجتهد عند انضمامه إلى هذا القصد وإن لم يكن هو معتبرا في حقه لا يخلو عن مجازفة فإن قلت فعلى هذا يتعين القول بأن المراد بالانذار الانذار بطريق الفتوى ولا يقدح عدم تعين تقليد مفت على المقلد لان وظيفة المفتي إنذاره على مذهبه عند عدم تقليده لغيره مما يخالفه وإن لم يتعين عليه القبول حيث يتعدد المفتي قلت الانذار بطريق الرواية قد كان متداولا في العصر الأول ومعتبرا كما سيأتي التنبيه عليه في بعض المباحث الآتية وقضية الاطلاق تعميم الحكم إليه أيضا نعم يتجه أن يقال إذا ثبت بالآية جواز العمل بالخبر عند قصد الانذار ثبت مع عدمه لعدم قائل بالفرق ثم على الآية إشكالات أخر منها أنها صالحة لتنزيل آخر وهو أن المراد بالنفر النفر إلى الجهاد والمراد بتفقههم أنه إذا شاهدوا غلبة المسلمين مع قلة عددهم وكونهم بلا زاد ولا سلاح على المشركين مع قوتهم وكثرة عددهم وشاهدوا في ذلك صنع الله وإعلاء كلمته ووقفوا على المعاجز والدلائل على حقية الدين رجعوا إلى قومهم وأنذروهم بما عاينوا من دلائل الحق ليحذروا عن الكفر والنفاق فلا دلالة للآية على حجية خبر الواحد وأما تعويل الفرقة الباقية على إخبار الطائفة فليس للحجية في الشرع وإلا لدار بل لبلوغه حد التواتر أو لانضمامه بالامارات المفيدة للوثوق بالخبر والجواب أن هذا التفسير وإن كان منقولا عن بعضهم لكنه شاذ لا يساعد عليه ظاهر مساق الآية فلا يعتد به ومنها أن المراد بالانذار الانذار بطريق الفتوى دون الرواية بقرينة ذكر التفقه واعتبار قول الواحد فيها خارج عن محل البحث والجواب أن الانذار يعم الانذار بطريق الفتوى والرواية وتقييده بالأول خروج عن الظاهر من غير دليل وليس في لفظ التفقه دلالة عليه لان الفقه في اللغة المطلق الادراك وتخصيصه بالملكة المخصوصة أو الادراك المخصوص مبني على اصطلاح مستحدث بين الأصوليين ولو سلم فلا شهادة فيه على التخصيص فإن الفقيه قد ينذر بطريق الرواية لمن يعتبر الرواية في حقه وقد يقال لا مدخل للتفقه أعني معرفة الحكم في قبول الرواية وإنما يعتبر ذلك في قبول الفتوى فاعتباره في قبول الانذار دليل على أن المراد به الفتوى خاصة وجوابه أن التفقه لم يعتبر في الآية شرطا لقبول الانذار بل حصل غاية للنفر كالانذار ولا يلزم من جعل أمرين غاية لشئ أن يكون أحدهما معتبرا في الاخر ولهذا لا يعتبر في التفقه الانذار مع أن فرض الانذار بطريق الرواية مع عدم التفقه بعيد جدا والآية واردة على حسب الغالب المعتاد وقد يخص الآية بالانذار بطريق الرواية لان تعميمها إلى الانذار بطريق الفتوى يوجب وجوب قبول المجتهد لفتوى مثله فإن القوم المنذرين قد يكونون مجتهدين أو يكون فيهم مجتهد مع أن فتاوى المجتهد لا تعتبر في حق مثله فإن قيل تخصيص الانذار بالانذار بطريق الرواية ليس بأولى من تخصيص القوم بغير المجتهدين فما وجه الترجيح قلنا عموم القوم المضاف لافراده وضعي بخلاف شمول الانذار لنوعيه فإنه حكمي فيرجح تقييده على تخصيصه والتحقيق أن فرض بلوغ القوم المنذرين مرتبة الاجتهاد كلا أو بعضا بعيد عن سياق الآية فشمول غير واضح بخلاف شمول الانذار لنوعيه فكان تركه على إطلاقه أولى ولا يقدح ذلك في إثبات حجية خبر الواحد في حق المجتهد لان ثبوتها في حق غيره يقتضي ثبوتها في حقه إما لوضوح المناط أو للاجماع المركب فتدبر ومنها أنها لا يتناول الاخبار التي لا إنذار فيها كأخبار الندب والكراهة ولا تناول أخبار الوجوب والحرمة أيضا إذا تجردت عن التصريح بالانذار إذ بمجرد الاخبار بها لا يسمى إنذار والجواب أن الاخبار بإيجاب شئ أو حرمته في قوة الانذار بتركه أو بفعله وإن لم يصرح به وإطلاق الانذار يتناول الصريح منه والضمني وقبول قول الواحد فيهما يوجب قبوله في بقية الاحكام بطريق أولى بل نقول إذا ثبت وجوب القبول في البعض ثبت في الكل لوضوح المناط وعدم القول بالفصل ومنها أن الحكم المذكور إنما ثبت في حق المشافهين فلا يثبت في حق غيرهم إلا بالاجماع وهو منتف في محل النزاع والجواب بعد تسليم اختصاص مثل الخطاب المذكور بالمشافهين أنه لا نزاع هنا في شركة التكليف بل في ثبوت أصل الحكم إذ على تقدير ثبوته في حق الحاضرين لا كلام في ثبوته في حق الغائبين مضافا إلى قيام سائر الأدلة الدالة على شركة التكليف من الاخبار عليه ومنها أن الآية ظاهرة في المقصود والمسألة أصولية يطالب فيها بالقطع والجواب أن الظواهر التي قام على حجيتها قاطع كظواهر الألفاظ يعول عليها في المباحث الشرعية وإن كانت أصولية كما أن الظواهر التي لا دليل على حجيتها لا يعول عليها