الشيخ محمد حسين الحائري

275

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

فيها وإن كانت فروعية الثاني قوله تعالى إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا وجه الدلالة أنه تعالى علق وجوب تبين النبأ على مجئ الفاسق به فيدل بمفهومه على عدم وجوب التبين عند مجئ العادل به ومقتضاه جواز القبول لان الامر يطلب البيان إما كناية عن عدم جواز القبول أو مجاز عنه أو مخصوص بما لو أريد العمل بمقتضى بنائه فيكون وجوبه شرطيا ويرجع إلى الوجه السابق وبمواضع خاصة لا بد من التبين فيها منها الواقعة التي نزلت الآية فيها حيث يجب فيها طلب البيان بمطالبتهم بالصدقات فإن انقادوا إلى الحق وأدوها تبين كذب النبأ قضاء بظاهر الحال وإن استنكفوا عنها وأظهروا التمانع والمعادات تبين صدقه ووجب التهجم على جهادهم لكن هذا في الحقيقة راجع إلى طلب أمر مخصوص تحصل به البيان وليس بطلب نفس البيان حقيقة وبالجملة فلا بد من حمل الامر بالتبين على أحد هذه الوجوه للاجماع على عدم وجوب التبين عند خبر الفاسق مطلقا وعلى هذا فما تداول في كتب القوم في بيان وجه الاستدلال من أنه تعالى علق وجوب تبين النبأ على مجئ الفاسق به فعلى تقدير مجئ العادل به إما أن يجب القبول فهو المدعى أو يجب الرد فيلزم أن يكون العادل أسوأ حالا من الفاسق غير مستقيم إذ مرجع الامر بالتبين فيما عدا الوجه الأخير إلى رد بنائه وفي الوجه الأخير يجب التبين في بناء العادل وأيضا إنما يتم ما ذكروه إذا حمل الامر بالتبين على وجوبه مطلقا وهذا مما لا ذاهب إليه ثم المعروف بينهم أن الدلالة المذكورة ناشئة من تعليق الحكم على الشرط وبعضهم جعلها ناشئة من تعليقه على الوصف وعلى كل من التقديرين يتوقف على القول بثبوت مفهومه وقد حققنا سابقا أن تعليق الحكم على الشرط يدل على انتفائه عند انتفائه بخلاف التعليق على الوصف فيبطل الاستدلال على الوجه الأخير وربما جنح إلى التمسك به بعض من وافقنا في أصله على المنع كالفاضل المعاصر نظرا إلى أن المفهوم من الآية بمساعدة العرف قبول بناء العادل وهذا ناظر إلى ما حققناه سابقا من أن التعليق على الوصف وإن لم يكن في نفسه مقتضيا لنفي الحكم من غير محل الوصف إلا أنه قد يقتضيه بمعونة المقام أقول وفيه نظر لان مساعدة المقام على استفادة حكم المفهوم من التعليق على الوصف بناء على عدم دلالته عليه في نفسه إما أن يكون لقرائن حالية وثبوتها في المقام ممنوع قطعا أو لقرائن لفظية راجعة إلى انحصار فائدة في التعليق في الاحتراز أو ظهورها بحسب مقام التعليق من بين الفوائد فهذا إنما يتصور جريانه بحسب تحصيل الوثوق والاعتداد به فيما إذا تعقب الخاص الوصف للموصوف العام كما في قولك إن جاءك مخبر فاسق أو رجل فاسق بنبأ ونحو ذلك مما يشتمل على التقييد اللفظي المقتضي اعتباره في الكلام لفائدة زائدة على فائدة بيان الحكم وظاهر أن المقام ليس من بابه بل من باب ترجيح التعبير عن موارد الحكم بعنوان خاص على التعبير عنه بعنوان عام ومثل هذا لا يستدعي فائدة ظاهرة تزيد على فائدة بيان الحكم في المورد الخاص ومع الاغماض عن ذلك فلا نجد لتعليق الحكم على الوصف في المقام مزيد خصوصية لا توجد في غيره فإن ما ذكروه في منع دلالته على حكم المفهوم في غير المقام من عدم انحصار الفائدة فيه وأن من جملة الفوائد كون محل الوصف محل الحاجة متجه في المقام أيضا مضافا إلى أن له في المقام نكتة أخرى أيضا وهي التنبيه على أن المخبر المتصف بالفسق بعيد عن مقام الاعتماد والاستناد جدا إذ يحتمل في حقه ما يحتمل في حق مخبر العادل من السهو والنسيان مع زيادة وهي احتمال تعمده الكذب أو تعويله في خبره على أمارات ضعيفة وأوهام سخيفة ناشئتين من انتفاء صفة العدالة عنه الحاجزة على الاقتحام في مثل ذلك وهذا ظاهر لا سترة عليه وأما على الوجه الأول وهو إثبات المفهوم بالتعليق على الشرط فيتجه فيه الاشكال من وجوه منها أن مفهوم الآية بمقتضى التعليق على الشرط إن لم يجئكم فاسق بنبأ فلا يجب أن تتبينوا لا إن جاءكم عادل بنبأ فلا يجب أن تبينوا كما هو المقصود وأجيب بأن عدم مجئ الفاسق بالنبأ أعم من عدم مجئ أحد به أو مجئ عادل به فيتناول المقصود ويشكل بأن المراد بالتبين إما عدم جواز القبول فهذا مما لا يصح اعتبار نقيضه جزأ للأعم إذ لا معنى لجواز قبول النبأ عند عدم مجئ أحد به إذ لا نبأ حينئذ حتى يحكم عليه بجواز القبول أو وجوب طلب ما يحصل به البيان وحينئذ فيتعين تخصيصه بمواضع مخصوصة ولا ريب في وجوب تبين نبأ العادل فيها أيضا فتعين إلغاء المفهوم بالنسبة إلى ما هو المقصود من أحد نوعيه ويمكن اختيار الشق الأول والتزام التخصيص في الشرط بقرينة اختصاص الجزاء ويمكن أيضا حمل الامر بالتبين على وجوب الرد لا عدم جواز القبول لتساوي صلوح اللفظ بالنسبة إليهما فيصح اعتباره حينئذ للأعم لكن يبقى الاشكال حينئذ في ترجيحه ويمكن أن يجعل صحة تعميم المفهوم من أماراته ومنها أن قوله تعالى فتبينوا يحتمل للمعنى الأخير من المعاني المذكورة وعلى تقديره لا يتم الاحتجاج بالآية كما مر ويمكن دفعه بأنه بعيد عن الظاهر ولا قرينة على إرادته فلا يصار إليه ومنها أن مفهوم الشرط في الآية عدم وجوب تبين خبر الفاسق عند عدم مجيئه به لا عدم وجوب تبين خبر العادل عند مجيئه به لوجوب المحافظة على مادتي الشرط والجزاء منطوقا ومفهوما وإن تغايرا نفيا وإثباتا لا يقال فيلغو المفهوم حينئذ إذ لا محصل له لأنا نقول ليس اعتبار المفهوم من اللازم بل قد يلغى وأمثلة كثيرة وبالجملة فعدم ثبوت محصل للمفهوم يوجب إلغاءه لا تبديله بمادة يكون لها محصل وربما أمكن أن يقال إنا إن استفدنا من مساق الآية ولو بمساعدة العرف أنها مسوقة لبيان حال النبأ كانت في قوة قولنا النبأ إن جاءكم فاسق به فتبينوا فتدل حينئذ على عدم وجوب تبين بناء العادل بمفهوم الشرط وإن استفدنا أنها مسوقة لبيان حال الفاسق كانت في قوة قولنا الفاسق إن جاءكم بنبأ فتبينوه فلا يكون لها دلالة على حكم نبأ العادل والتحقيق أنه على التقدير الأول أيضا لا دلالة لها على المفهوم لاختلاف لوازم الكلام باختلاف طرق تأديته