الشيخ محمد حسين الحائري

273

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

لغوا وسفها وهو ممتنع في حقه تعالى وبهذا البيان يتضح وجه الاستدلال على تقدير ندبية الانذار أيضا فإن رجحانه يستلزم جواز العمل به لما مر فثبت الوجوب بالاجماع المركب وكذا لو امتنع استلزام وجوب الانذار لوجوب العمل بمقتضاه كما في حق الولي والصبي إذ لا سبيل إلى منع استلزامه لجوازه فثبت الوجوب بما مر لا يقال لا نسلم انحصار فائدة الانذار في جواز العمل به مطلقا بل يكفي جوازه في الجملة ولو عند احتفافه بالقرائن القطعية أو بلوغه حد التواتر لأنا نقول هذه ثمرة نادرة الحصول والاعتبار الصحيح لا يساعد على اعتبارها في مثل المقام الثاني أن قوله تعالى لعلهم يحذرون معناه وجوب الحذر لتعذر حمله على ظاهره لاستحالة الترجي عليه تعالى ووجوب الحذر عند إنذارهم في معنى وجوب العمل بما يشمل عليه أخبارهم لا يقال تعذر الحمل على الترجي لا يعين الحمل على الايجاب لامكان الحمل على الندب لا سيما مع مساعدة الأصل عليه لأنا نقول قد حققناه سابقا أن الظاهر من الألفاظ المستعملة في الطلب هو الايجاب بشهادة العرف والاستعمال فلا يصار عليه إلا الدليل مع أن ثبوت الرجحان كاف في إثبات المقصود بل في إثبات الوجوب أيضا بضميمة ما عرفت من الاجماع المركب وقد يتفصى عن السؤال المذكور بوجهين آخرين الأول ما ذكره بعض أفاضل المعاصرين من أن المقتضي للمحذور إن كان موجودا وجب وإلا لم يحسن فلا يعقل ندبية الحذر وفيه نظر لان المقتضي قد يكون محتمل الوقوع فيحسن الحذر تحفظا عن إصابة المحذور كما في كثير من المكروهات فالملازمة ممنوعة الثاني ما ذكره بعض المعاصرين من أن ندبية الحذر العمل بخبر الواحد غير معقول لان خبر الواحد قد يشتمل على إيجاب شئ أو تحريمه ولا يعقل ندبية العمل بالواجب أو الحرام نعم قد يتصور ندبية العمل بالواجب في الواجب التخييري لكن لا يكون التخيير إلا بين أمرين وليس الامر الاخر هنا إلا العمل بالأصل إذ الكلام في حجية خبر الواحد حيث لا معارض له بالخصوص وحينئذ فإما أن يعتبر التخيير بين الاخذ والعمل بكل منهما أو بين مؤداهما والأول تخيير في المسألة الأصولية سواء اعتبر التخيير بينهما على الاطلاق أو في خصوصيات الموارد أما الأول فواضح وأما الثاني فلان التخيير فيه من جزئيات التخيير في الأول وفروعه والمفهوم من الآية على ما بنى عليه المؤول هو التخيير في المسألة الفقهية دون الأصولية على أن مرجع ذلك إلى التخيير بين اعتقاد الوجوب وعدمه ولا معنى لجواز اعتقاد الوجوب ومع ذلك فلا تعارض بين الاعتقادين حتى يستلزم التخيير أرجحية أحدهما فإن الاعتقاد بجواز العمل بالأصل قبل العثور على الدليل لا ينافي الاعتقاد بجواز العمل بخبر الواحد بعد العثور عليه ولا سبيل إلى منع الوجوب وإثبات الجواز مع الاستحباب ليرتفع التنافي إذ بعد بقاء التكليف بالأحكام وجواز الاستنباط من خبر الواحد يلزم وجوب العمل به من باب المقدمة ولا يجدي في صحة التخيير إمكان الاستنباط من الأصل إذ العمل بالأصل إنما يصح عند تعذر معرفة الحكم بغيره والثاني تخيير في المسألة الفقهية وهو يؤدي إلى اجتماع المتنافيين فإن جواز الواجب أو استحبابه غير معقول كما مر وجعله من باب التخيير بين العمل بالخبرين المتعارضين أو فتوى المجتهدين غير مستقيم لان ذلك تخيير عند الاضطرار أو بخلاف المقام فإن الآية واردة في حق الحاضرين المتمكنين من معرفة الاحكام على أن التخيير هناك إرشاد لطريق العمل لا لمعرفة أن أحدهما هو الحكم الشرعي بالخصوص انتهى ملخصا أقول وفيه أيضا نظر لان المفهوم من التحذير إنما هو العمل على حسب إنذارهم من فعل أو ترك دون الاتيان به على الجهة التي اشتمل إنذارهم عليها إذ التحقيق أن نية الوجه غير معتبرة وقد وقع نظير ذلك في السنن عند من يتسامح في أدلتها إذ كثيرا ما يدل الخبر على وجوب فعل أو ترك وهم يعملون بها على وجه الاستحباب نظرا إلى قصورها عن إفادة الوجوب لا يقال الاخبار بوجوب شئ أو تحريمه يستلزم الاخبار بجواز الاتيان به بنية الوجوب أو تركه بنية التحريم فإذا كان مفاد الآية استحباب العمل بخبرهم مطلقا لزم المحذور المذكور وكذا لو فرض تصريح المخبر بذلك لأنا نقول الاخبار بالجواز لا يعد إنذارا فيخرج عن مورد الآية ولو عمم الحكم إليه بالاجماع المركب يمكن التمسك به من أول الأمر ولم يحتج إلى التطويل المذكور ثم ما ذكره من عدم مساعدة التأويل المذكور على التخيير بين العمل بالأصل وخبر الواحد واضح الاندفاع لان المستفاد من الآية جواز العمل بخبر الواحد فحمله على الوجوب التخيير لا يقتضي إلا التخيير بين العمل بخبر الواحد ومعادله لا التخيير في مؤداهما مع أنه أيضا غير مستقيم كما عرفت ولقد كان له أن يتمسك أيضا بأن خبر الواحد قد يقتضي الوجوب التعييني فلا يعقل أن يجب على التخيير العمل بالواجب التعييني وما ذكره من أن التخيير في المسألة الأصولية راجع إلى التخيير بين اعتقاد الوجوب وعدمه غير مستقيم بل راجع إلى التخيير في البناء على حجية كل من الدليلين وأما ما ذكره من أن التخيير هنا في مقام الاختيار والتخيير بين الخبرين المتعارضين والفتاوى المتعارضة تخيير عند الاضطرار فإن أراد أن التخيير في الصورتين إنما يثبت حال الاضطرار فهو لا ينافي ما أريد بالتنظير وإن أراد أن التخيير بين الدليلين لا يكون إلا عند الاضطرار فهو في محل المنع ثم لا يذهب عليك أن ما ذكره من أن الاستحباب يجتمع مع الوجوب التخيير وقد أوضحنا فساده في بعض مباحث النهي مع أنه لا قائل في المقام بوجوب العمل بخبر الواحد على سبيل التخيير بينه وبين العمل بالأصل فلا وجه لإطالة الكلام عليه مما لا طائل فيه واعلم أن هذه الآية يتناول إطلاقها الانذار بدون الواسطة ومعها مع تعدد الوسائط وبدونه لان وجوب العمل بإنذار المنذرين يقتضي جواز التعويل على روايتهم في معرفة الاحكام وذلك معنى التفقه في الدين فيجب عليهم إنذار غيرهم ويجب عليهم القبول وهكذا نعم من يزعم أن العلم بوجوب العمل لا يستلزم العلم بالحكم فله منع دلالتها على حجية خبر الواحد مع الواسطة إلا