الشيخ محمد حسين الحائري
254
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
عليه مع أن من يقول بحجية الشهرة يستعملها في مقابلة العمومات والمطلقات بل وسائر الظواهر فلا يتم القدح به أيضا الثالث أن الدليل الدال على حجية الشهرة وهو القاعدة المذكورة قطعي الدلالة فلا يعارضه الشهرة القائمة على عدم حجيتها لأنها ظنية الدلالة وفيه أيضا نظر لان الدليل الدال على حجية مطلق الشهرة إن أفاد حجيتها بحسب الواقع امتنع ورود التخصيص وإن أفاد حجيتها بحسب الظاهر ما لم يقم دليل على خلافها فاستلزام حجيتها لعدم حجيتها دليل يصلح للدلالة على حجيتها فوجب الاخذ به هذا ويمكن أن يجاب أيضا بأن الدليل الدال على حجية الشهرة لا يدل على حجية الشهرة على عدم حجية الشهرة لأنها غير صالحة للحجية لما يلزم من وجودها عدمها فيرجع مفاد الدليل إلى حجية شهرة لا يمتنع حجيتها وهي ما عدا الشهرة على عدم حجية الشهرة ويشكل بأن مفاد الدليل المذكور حجية مطلق الشهرة فتقييده بغير ما انعقد على عدم حجيته الشهرة ليس بأولى من تقييده بما انعقد على غيرها فيتكافأ الوجهان وفيه ما فيه بل التحقيق أن الشهرة القائمة على عدم حجية الشهرة نافعة لنفسها خاصة لان ما قضية ثبوته عدم نفسه وعدم غيره لا يثبت حتى يمنع من ثبوت غيره فيبقى بقية الشهرات سالمة عما يدل على عدم حجيتها وإذا ثبت بقاعدة انسداد باب العلم إلى أدلة الاحكام حجية كل ظن لا دليل على عدم حجيته اندرجت الظنون الناشئة من تلك الشهرات في العموم لا محالة فتدبر ثم من فضلائنا المعاصرين من فصل في الشهرة العارية عن الدليل بين الشهرة المعتضدة برواية ضعيفة وبين الشهرة المجردة فمنع من حجية الثانية وإن حصل الظن منها لما مر من قيام الشهرة على عدم حجيتها وبنى على حجية الأولى لما مر في الدليل الثاني مع عدم ثبوت الشهرة على عدم حجيتها وهو ضعيف لأن الشهرة منعقدة على الظاهر على عدم حجية الشهرة مطلقا نعم يصلح عند كثير منهم الشهرة لمعاضدة الرواية الضعيفة وجبرها وذلك لا يقتضي القول بحجيتها وإلا لكان حجيتها مع صحة الرواية أولى ومن هنا ربما ينشأ الوهم حيث يتوهم أن تعويلهم في ذلك على الشهرة المعتضدة بالرواية لا على الرواية المعتضدة بالشهرة والذي ظهر لنا هو الثاني ثم التحقيق عندي أن الشهرة إن كشف عن وجود حجة معتبرة عندنا ولو بمساعدة الشهرة كرواية ولو ضعيفة سندا ودلالة بحيث تصلح الشهرة لجبرها كانت حجة وجاز التعويل عليها والكلام في حجيتها كالكلام الذي سبق في حجية الاجماع وإلا فهي حجة في أدلة الاحكام دون نفس الاحكام قلنا في المقام دعويان لنا على أولهما ما نحققه في مبحث الاخبار من أنا كما نعلم بالضرورة من الدين بأنا مكلفون في زماننا بالأحكام المقررة في الشريعة كذلك نعلم بأنا مكلفون بتحصيلها واستفادتها من طرق مخصوصة قد اعتبرها الشارع طريقا إليها وبعبارة أخرى نعلم بأنا مكلفون بالفعل بالعمل بمقتضى [ بمؤدى ] أدلة مخصوصة وقد قررنا هناك أن تلك الأدلة وإن أمكن تحصيل العلم أو ما يثبت قيامه مقامه ببعضها إجمالا لكن العمل بها يبتني على معرفة تفاصيلها ولا طريق إلى تحصيلها بالعلم ولا بطريق علمي فتعين التعويل فيها على الظنون التي لا دليل على عدم حجيتها فيها ولو بعد انسداد الطريقين أو الطرق الظنية التي هي كذلك ولا خفاء في أن الشهرة عند خلوها عن المعارض من الامارات المفيدة للظن بما انعقدت عليه ولا دليل على عدم حجيتها في الأدلة بعد انسداد طريق العلم إليها فيتعين القول بحجيتها ولا يقدح في ذلك انعقادها على عدم حجية نفسها لان قضية هذه الشهرة الظن بعدم حجية نفسها كما أن قضيتها الظن بعدم حجية غيرها فلا يحصل ظن بعدم حجية غيرها سالم عن المعارض إذ مفادها ظن مظنون بها عدم حجيته فيسقط عن درجة الاعتبار كالدليلين المتعارضين إذا تكافئا فيبقى الظن الحاصل من الشهرة المنعقدة على حجية طريق أو على عدم حجية طريق غير الشهرة سالما عن المعارض السالم ويحتمل القول بالأخذ بأقوى الشهرتين لكونه أقوى الظنين وليس بمعتمد والتحقيق هو الأول ولا فرق بين أن يكون الدليل المثبت حجيته بالشهرة نوعا كليا كالخبر الموثوق والاجماع المنقول أو شخصا جزئيا كما لو انعقدت على حجية رواية ضعيفة ولو عامية أو أصل مثبت أو سيرة ظنية أو تقديم ظاهر في مقابل أصل أو غير ذلك فإن التحقيق عندنا عدم حجية أكثر أنواع هذه الطريق لكن إذا قامت شهرة على حجية فرد منها في خصوص مقام كان حجة ولا يتعدى إلى غير مورد الشهرة حتى إنها لو انعقدت على العمل برواية ضعيفة عامية في بعض مواردها فقط اقتصر على العمل في مورد العمل ولا يتعدى إلى بقية مواردها وكذا لو انعقدت على العمل ببعض الرواية دون بعض فإنه لا يتعدى إلى غير محل العمل ولا يتوهم أنه يلزم من هذا البيان حجية كل شهرة إذ لا بد للقائلين من مستند معتبر عندهم فإن عدالتهم يمنع من الافتاء بدونه ويثبت اعتباره عندنا على تقدير عدمه بقيام الشهرة عليه وذلك لأنه لا يلزم من توافقهم على الحكم توافقهم على المستند لجواز أن يستند بعضهم إلى غير ما يستند إليه البعض الاخر بحيث لا يتحقق شهرة على مستند نعم لو عرفت منهم الاشتراك في المستند بالتصريح أو بالفحوى صح التعويل عليه كما بيناه ولا يذهب عليك أن قولنا بحجية الشهرة في أمر إنما هو بالنظر إلى نفسها كما هو الشأن في البحث عن كل دليل صحيح وإلا فقد نأخذ بخلاف المشهور عند قيام أمارة أقوى منها أو اتضاح فساد مأخذها ولنا على عدم حجيتها في نفس الاحكام أن الطريق إليها منحصر في الطرق المعلومة والمظنونة وعدم كونها من الطرق العامية واضح وكذلك عدم كونها من الطرق الظنية بعد ما عرفت من أن المعروف بين أصحابنا عدم حجيتها بنفسها نعم تصلح الشهرة على الحكم لجبر الرواية الضعيفة الدالة عليه إذا كانت مروية من طرقنا حيث لا نعلم باستناد الشهرة إلى غيرها لو علمنا به لكن لم يكن ذلك للاعراض عنها بل لعدم العثور عليها نظرا إلى حصول الوثوق حينئذ بصحة صدورها لا سيما إذا تمسك بها جماعة وخصوصا إذا كانت قوية باعتبار السند وقد حققنا آنفا وفي مبحث الاخبار [ السنة ] حجية الاخبار الموثوق بصحتها وإن كان لامارة خارجة وأما إذا كانت الرواية عامية مروية من طرق مخالفينا فالظاهر عدم انجبارها بالشهرة على الحكم لان القول بحجيتها يؤدي إلى القول بوجوب المراجعة إلى كتب أخبار المخالفين في مثل ذلك كوجوبها إلى كتب أصحابنا لوجوب بذل المجتهد وسعه في الأدلة وفساده ظاهر من الطريقة المعروفة بين أصحابنا ولو اعتضد في بعض الرواية بالشهرة اقتصر على موضع الانجبار لأنه صدق الراوي في بعض ما يرويه لا يوجبه في غيره وكذا لو اعتضد بعض المدلول فيقتصر على موضع الانجبار لجواز أن يكون النقل بالمعنى واعلم أن الشهرة الغير الكاشفة قد تنعقد على الحكم ودليله وقد تنعقد على الحكم دون دليله وقد تنعقد على الدليل دون الحكم وقد عرفت مما حققنا أن النوع الأول حجة وأن الثاني ليس بحجة لكنه صالح لجبر الاخبار الضعيفة المروية من طرقنا وأما النوع الثالث فإما أن ينعقد فيه الشهرة على خلاف حكم الدليل أو لا أما الثاني فلا إشكال في بقاء الدليل فيه على حجيته ما لم يعارضه معارض وأما الأول فالحق أنه لا يسقط الدليل المخالف للمشهور فيه عن الحجية ما لم يستكشف