الشيخ محمد حسين الحائري
228
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
دلالة العقل بل التحقيق في الاحتجاج أن يستند إلى قضاء الضرورة بقبح التكليف والطلب مع عدم البيان أو مع تأخيره عن وقت الحاجة إليه لكونه سفها فإن الغرض الأصلي من التكليف بل مطلق الطلب تعيين الفعل على المكلف وهو لا يحصل مع عدم التعيين بالبيان فيكون التكليف حينئذ من باب التكليف المحال لا التكليف بالمحال وإن كان بحسب بعض موارده من هذا الباب أيضا كما أشرنا إليه ثم أقول إطلاق كثير منهم المنع من تأخير البيان عن وقت الحاجة يعم بيان الحكم وبيان موضوعه فإن فسر وقت الحاجة بزمن الاحتياج إلى البيان استقام كلية الدعوى ببياننا المتقدم وإن فسر بوقت العمل أو بوقت يصح فيه إيقاع العمل كما يظهر من كلماتهم وقد صرح به بعضهم انتقض كليتها بالمجمل المردد بين عدة أشياء إذا كانت بحيث يتمكن المكلف من تحصيل العلم بالبراءة منه بفعل الكل كالصلاة مع اشتباه القبلة أو الساتر عند التمكن من التكرير أو بترك الكل كما في المحرم أو النجس في المشتبه المحصور وبمجمل المركبات حيث يمكن الاحتياط كما في الصلاة على القول بأنها اسم للصحيح أو كان الظن أو الشك في حصوله كافيا كالمثال المتقدم فإن جواز التأخير في مثل ذلك ليس موضع تأمل مع أن العنوان على الوجه الأول قاصر عن الوفاء بالمقصود لعدم تناوله لتأخير بيان المجمل مع عدم وقوع العمل مع أنه الغالب فيه والثاني يقتضي قبح تأخير البيان وإن استند إلى المكلف كما لو التزم المكلف ببيانه على تقدير إقدامه على الفعل ولم يقدم عليه إما بالمخالفة كما في التكليف العيني التعييني أو بدونها كما في الكفائي أو التخييري إذا قام غيره به أو أتى بالبدل وإنما اعتبرنا في هذه الصور التزام المكلف بالبيان على تقدير إقدام المكلف وحاجته الفعلية إليه لقبح التكليف بدونه فإن تمكين المكلف من تحصيل البيان حيث يحتاج إليه معتبر في صحة التكليف ومن هنا يتجه أن يقال الممتنع في الحقيقة على هذا التفسير إنما هو تأخير تمكين المكلف من تحصيل البيان عن وقت الحاجة حيث يحتاج إلى البيان لا تأخير نفس البيان وما سبق إلى بعض الأوهام من أن تأخير البيان في الواجب الموسع إلى أن يتضيق الوقت جائز لأنه لا يوجب التكليف بالمحال ففساده ظاهر مما بينا وأما إذا فسرنا وقت الحاجة بوقت الاحتياج إلى البيان ولزومه لم يتجه عليه شئ من ذلك إذ لا حاجة إلى البيان عند التمكن من إيقاع المطلوب بالاتيان بالمحتملات أو اكتفي في طريقه بالظن أو الاحتمال مثلا أو حصل المسقط أو أعرض المكلف عن البيان أو عزم على ترك الفعل فاتضح مما حققنا استحالة تأخير بيان الفعلي من الأحكام الأربعة الاقتضائية عن وقت الحاجة مطلقا لقبح الطلب الفعلي بدون البيان وكذا بيان موضوعه على بعض التقادير واستحالة تأخير بيان الواقعي منها مع انتفاء المانع من البيان لاخلاله بقاعدة اللطف وأما الإباحة الفعلية فإن كان ثبوتها في الظاهر لا يتوقف على بيان ولو لقضاء الأصل بها فلا تأخير وإلا فلا يعقل ثبوتها لمخالفته لحكم العقل وأما الواقعية منها ففي تأخير بيانها إخلال بقاعدة اللطف فلا يجوز مع عدم المانع وأما الأحكام الوضعية فإن كان التأخير فيها مستلزما لتأخير بيان الحكم التكليفي رجع إليه وإلا فلا يعقل لها وقت حاجة يمتنع التأخير عنها بل لا يعقل فائدة في وضعها إلا أن يكون المقصود به إثبات حكم في حق آخر أو ترتب أمر دنيوي أو أخروي عليه كترتب الخلود في النار على الكفر ونحو ذلك وأما تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة ففيه أقوال ثالثها وهو خيرة العلامة تبعا لبعض العامة الجواز فيما ليس له ظاهر كالمجمل والمنع فيما له ظاهر كالعام والمطلق والمنسوخ ما لم يقترن بالبيان الاجمالي فيرجع إلى القسم الأول وإلى هذا ذهب السيد المرتضى أيضا على ما يظهر منه في أثناء الاحتجاج وإن اقتصر في الدعوى على ذكر العام في عرف الشرع إلا أنه أجاز تأخير بيان المنسوخ إجمالا وتفصيلا مدعيا عليه الاجماع وعد ذلك من شرائط النسخ والحق ما ذهب إليه المجوزون مطلقا لنا بعد الأصل وجوه الأول أنه لو لم يجز ذلك لكان لمانع يقتضي قبحه ولا مانع بحكم الفرض من ذلك إلا ما تخيله الخصم وسنبين أنه لا يصلح للمنع فإذا لم يكن هناك ما يقتضي المنع ثبت الجواز لامتناع الواسطة وأما ما تداول بينهم في الاحتجاج من أنه لا يمتنع عند العقل فرض مصلحة فيه يحسن لأجلها فكأنه ليس على ما ينبغي لان الكلام في إثبات الجواز لا في إثبات جواز الرجحان وإن استلزمه الثاني أن من خاطب بمجمل أو أورد كلاما له ظاهر ثم بين المقصود بالمجمل أو صرح بإرادة خلاف الظاهر من الكلام عند حضور وقت الحاجة لم يلحقه بذلك ذم ولم ينكر عليه أحد من العقلا كما يشهد به المراجعة إلى مخاطبات أهل العرف ومحاوراتهم و ذلك آية الجواز الثالث أنه لو لم يجز لما جاز تأخير بيان الناسخ مطلقا عن المنسوخ والتالي باطل فكذا المقدم بيان الملازمة أن لفظ المنسوخ لا بد أن يكون ظاهرا في الاستمرار تحقيقا لمعنى النسخ فجواز تأخير بيانه يوجب جواز تأخير البيان في كل ما له ظاهر إذ التفصيل بين النسخ وغيره غير معقول بعد اشتراك المستند كما سننبه عليه وجواز ذلك فيما له ظاهر يوجب الجواز في غيره أيضا لما مر ولعدم القول بالفصل وأما بطلان التالي فبالاجماع على ما حكاه السيد وإنما اقتصرنا على إيراد النقض بالنسخ اختصارا وإلا فستعرف أنه لا يختص به حجة المانعين مطلقا على عدم جواز تأخير البيان في غير المجمل ما سيأتي في أدلة المفصلين وعلى عدم جوازه في المجمل أنه لو جاز لجاز خطاب العربي باللغة الزنجية من غير أن يبين له في الحال والتالي باطل بالضرورة بيان الملازمة أنه لا فارق بينهما في ذلك لاشتراكهما في أن السامع لا يعرف المراد منهما والجواب منع الملازمة لظهور الفرق فإن العربي لا يفهم من الزنجية شيئا بخلاف المخاطب باللفظ المجمل ولو فرض حصول الفهم من الزنجية كالمجمل منعنا بطلانه كما لو فرض عدم حصول الفهم من المجمل مطلقا كالزنجية فإنا نمنع جوازه أيضا ويظهر من قولهم في الحجة من غير أن يبين لهم في الحال جواز مخاطبة العربي بالزنجية مع البيان في الحال و