الشيخ محمد حسين الحائري
229
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
وهو على إطلاقه ممنوع احتج السيد على جواز تأخير بيان المجمل بما مر وعلى عدم جوازه في غيره بوجوه الأول أن ذلك استعمال اللفظ في غير ما وضع له من غير قرينة حال الخطاب وأنه قبيح بشهادة العرف حيث يعدون قول القائل افعل كذا قاصدا به التهديد أو اقتل زيدا مريدا به الضرب الشديد أو رأيت حمارا مريدا به البليد من غير قرينة تدل على المراد قبيحا ومنكرا فإن الفارق بين الحقيقة والمجاز عندهم إنما هو القرينة ولا يجري هذا في تأخير بيان المجمل لأنه مستعمل فيما وضع له والأولى أن يضيف إلى ذلك أو مستعمل في غير ما وضع له مع القرينة ليتم التعليل في موارده الثاني أن المتكلم إن أراد بالكلام حينئذ ظاهره فقد دل على خلاف مراده وإلا فقد دل على الشئ بما لا دلالة فيه لا يقال إنما يستقر الدلالة عند وقت الحاجة لأنا نقول لا مدخل لوقت الحاجة في دلالة اللفظ لان اللفظ إذا دل على شئ في وقت الحاجة فإنما يدل لأمر يرجع إليه وذلك قائم قبل وقت الحاجة أيضا على أن وقت الحاجة إنما يكون فيما تضمن تكليفا دون غيره كالاخبار فيلزم أن يجوز تأخير البيان فيه إلى غير وقت الخطاب من مستقبل الأوقات إذ ليس هناك وقت يصلح للتعيين كما في التكليف وذلك يؤدي إلى سقوط الاستفادة من الكلام الثالث لو جاز ذلك لما استفاد أحد من خطاب شيئا لتجويزه لحوق البيان وذلك يوجب الاخلال بفائدة الوضع حيث إن الغرض منه حصول الإفادة والاستفادة لا يقال يجب أن يعتقد الظاهر إلى أن يتبين خلافه لأنا نقول ليس هذا بأولى من القول بأنه يجب أن يعتقد خلافه إلى أن يتبين عدم ما يوجبه غاية الأمر أن يقال يعتقد أحد الامرين فيلزم ما قلناه من انتفاء الفائدة وأيضا يلزم فيما إذا كان الظاهر لفظ العموم أن يتوقف بينه وبين الخصوص وذلك نص أصحاب الوقف فيه فلا يصح ممن يذهب إلى أنه ظاهر في الاستغراق هذا جملة ما احتج به السيد على دعواه نقلناه ملخصا مع تصرفات لائقة بمرامه مستفادة من مساق كلامه وقد يستدل عليه أيضا بأن تأخير البيان فيما له ظاهر يستلزم الاغراء بالجهل حيث يعتقد السامع بسماعه كون المراد ما أفاده ظاهر اللفظ تعويلا على أصالة الحقيقة والواقع خلافه والجواب أما إجمالا فبالنقض بالنسخ فإن السيد قد نقل الاتفاق على جواز تأخير ذكر الناسخ مطلقا كما يقتضيه كلامه وبإسماع العام المخصوص بأدلة العقل وإن لم يعلم السامع أن العقل يدل على تخصيصه فإنهم لم ينقلوا في جواز ذلك خلافا عن أحد وأما ما اعترض به بعض المعاصرين من أن المخاطب إن تعقل التخصيص حال الخطاب ولم يتعقل العموم أو لم يتعقل عموم العام لمورد التخصيص فلا إغراء فلا قبح وإن تعقل العموم ولم يتعقل التخصيص يعني مطلقا فلا ريب في قبحه وإن تعقله ولم يتعقل التخصيص إلا بعد زمان فهذا يكون من باب تأخير البيان عن وقت الخطاب ونلتزم فيه بالاغراء ونمنع القبح فمدفوع بأن ظاهر كلامهم نقل الاتفاق على جواز تأخير البيان فيه مطلقا فالتزامه القبح والمنع من قبل الخصم في الصورة الثانية مما لا يصغى إليه لأنه خروج عن ظاهر مذهبه وأيضا منعه القبح في الصورة الأخيرة راجع إلى تسليم الجواب فلا يستقيم اعتراضا وبإسماع العام المخصص بالدليل السمعي من غير اسماع المخصص إذا وجد المخصص في الأصول فإن السيد وجماعة أجازوا ذلك مع أن ما ذكره من وجوه المنع جارية في المقامات الثلاثة إذ قضيتها عدم جواز إيراد كلام له ظاهر مع إرادة خلافه من غير نصب قرينة حال الخطاب عليه وهي مشتركة بينها نعم يمكن التفصي عن الأول بدعوى أن الناسخ ليس مبنيا لما أريد بالمنسوخ وإنما هو رافع له وتحقيقه أن التكليف عبارة عن إرادة جعلية يوقعها المكلف ومرجعها إلى إلزام المكلف بأحد طرفي الفعل وتعيينه عليه أو جعل رجحان فيه أو التخيير وهذا مما يجوز أن تقع بحسب جميع الأزمنة من غير أن يؤخذ فيه الاختصاص بزمان دون زمان ثم يرفع بالنسبة إلى الكل كما في النسخ قبل حضور وقت العمل أو البعض كما في النسخ بعده نعم لو ثبت أن التكليف هي الإرادة الحقيقية امتنع ذلك في حقه تعالى للزوم البدأ لكنه ممنوع فإن قيل ليس للسامع في المقامين الأخيرين أن يحمل اللفظ على العموم قبل الفحص بل يتعين عليه التوقف حينئذ وأما بعد الفحص فيطلع على المخصص فيبني على مقتضاه قلنا بمثله في محل البحث فإن المخاطب بلفظ العام ليس له أن يحمله على العموم قبل حضور وقت الحاجة وعنده يطلع على المخصص لعدم جواز تأخير بيانه عنه فيبني على حسبه وبالجملة كما يتعين على المكلف هناك أن يعتقد إجمالا أنه يمتثل بما يبين له ويتوقف عن اعتقاد التفصيل إلى أن يبحث عن المخصص وبعد البحث يعتقد التفصيل كذلك هنا يتعين عليه أن يعتقد إجمالا أنه يمتثل الظاهر أو خلافه إن تبين له ويتوقف عن اعتقاد التفصيل إلى حضور زمان الحاجة وعنده يعتقد التفصيل ويبني على حسبه وأما التفرقة بوجود القرينة وتمكن المكلف من الرجوع إليها هناك وانتفائها في محل البحث فغير مجدية لان العلم بالقرينة يتعذر إلا بعد زمان يتوقف عليه الرجوع قصيرا كان أو طويلا وعلى تقديره يلزم ما ذكرناه من جواز إيراد كلام له ظاهر مع إرادة خلافه من غير قرينة وليس زمان الرجوع كزمان مهلة النظر فإن ذلك مما لا بد منه عقلا بخلاف زمان الرجوع فإن المخاطب قادر على أن يقرن البيان بالخطاب فيستغني عنه ويمكن النقض أيضا بتأخير البيان إلى حيث لا يخرج الكلام عن وحدته العرفية كما في الاستثناء المتعقب للجمل المتعاطفة المتعلق بالجميع ولو بمعونة القرينة فإنه لا خلاف في جواز ذلك مع أن الوجوه المذكورة جارية فيه على حذو نظائره وما اعتذر عنه بعض المعاصرين من أن تشاغل المتكلم بالكلام مانع فيجوز أن يسوغ معه ما لا يسوغ مع السكوت فليس بشئ لان التأخير إن كان قبيحا لا يسوغ ارتكابه بمثل هذا المانع الذي لا يصلح للمنع لا عقلا ولا عرفا وإلا لجاز ارتكاب سائر القبائح بسبب التشاغل بالكلام إذ لا فرق بين القبح الناشئ من