محمد جواد مغنية
359
الفقه على مذاهب الخمسة
والقوانين ، في الحث على الفعل أو الزجر عنه ، أو بيان الأسباب والموجبات ، وان هذا العقد يجب العمل بمقتضاه والوفاء به ، وذاك لا يجب ، وما إلى ذلك مما يحفظ النظام ، ويحقق الصالح العام . أما الأشياء الطبيعية ، كأقل مدة الحمل وأقصاها ، فليس للشارع إثباتها ولا نفيها ولا تعديلها ، لأن سنن الطبيعة وأسبابها لا تختلف ولا تتغير بتغير الأوضاع والأزمان ، على العكس من الأمور التشريعية فان وجودها ونفيها وتعديلها يرتبط بإرادة المشرع ومشيئته . أجل ، لرجل التشريع أن يأخذ من الأعيان الطبيعية الخارجية موضوعا لأحكامه - مثلا - له ان يقول : للحمل نصيب في ميراث من تولد من مائه ، وانه يزاد في راتب الموظف إذا ولد له ، وانه إذا زاد إنتاج الحنطة عن مؤنة المزارعين يحجز الزائد لحساب الميرة ، وهكذا . اما بيان هذه المواضيع التي أنيطت بها الأحكام والقوانين ، فمن وظيفة أهل الخبرة والمعرفة ، وإذا جاء بيانها وتحديدها على لسان أئمة الفقه يكون بيانهم إمضاء لتقرير الخبراء ليس غير ، كما يستعين القاضي بهم عند الاقتضاء ، وإذا انكشف الواقع وتبين خطأ التحديد فلا يجب العمل بقول الفقهاء ، لأننا نعلم علم اليقين انهم يتكلمون عن شيء موجود قبل التشريع ، وان مرادهم من التحديد هو الكشف والحكاية عن ذلك الموجود ، وقد تبين العكس ، فيكون العمل بقولهم - والحالة هذه - مخالفا لما يريدون ويقصدون ، والفقهاء أنفسهم يسمون هذا النوع من الخطأ « اشتباه في التطبيق » كقول القائل : أعطني هذا القدح مشيرا إلى حجر يشبه القدح . وبعد هذا التمهيد ندخل في صلب الموضوع : لما كان الولد موضوعا لكثير من الأحكام الشرعية ، كاستحقاق الإرث من أبيه ، وتحريم الزواج من الأخت وثبوت الولاية للأب عليه وعلى ماله إلى أن يبلغ ، ووجوب النفقة ، وما إلى ذلك من الحقوق الشرعية والأخلاقية - لما كان الأمر كذلك