إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

362

الإعتصام

المثال التاسع : إن العلماء نقلوا الاتفاق على أن الإمامة الكبرى لا تنعقد إلا لمن نال رتبة الاجتهاد والفتوى في علوم الشرع كما أنهم اتفقوا أيضا - أو كادوا أن يتفقوا على أن القضاء بين الناس لا يحصل إلا لمن رقى في رتبة الاجتهاد وهذا صحيح على الجملة ولكن إذا فرض خلو الزمان عن مجتهد يظهر بين الناس وافتقروا إلى إمام يقدمونه لجريان الأحكام وتسكين ثورة الثائرين والحياطة على دماء المسلمين وأموالهم فلا بد من إقامة الأمثل ممن ليس بمجتهد لأن بين أمرين إما أن يترك الناس فوضى وهو عين الفساد والهرج وإما أن يقدموه فيزول الفساد بتة ولا يبقى إلا فوت الاجتهاد والتقليد كاف بحسبه وإذا ثبت هذا فهو نظر مصلحي يشهد له وضع أصل الإمامة وهو مقطوع به بحيث لا يفتقر في صحته وملاءمته إلى شاهد هذا - وإن كان ظاهره مخالفا لما نقلوا من الإجماع في الحقيقة - إنما انعقد على فرض أن لا يخلو الزمان من مجتهد فصار مثل هذه المسألة مما لم ينص عليه فصح الاعتماد فيه على المصلحة . المثال العاشر : إن الغزالي قال في بيعة المفضول مع وجود الأفضل إن رددنا في مبدأ التولية بين مجتهد في علوم الشرائع وبين متقاصر عنها فيتعين تقديم المجتهد لأن اتباع الناظر علم نفسه له مزية على اتباع علم غيره فالتقليد والمزايا لا سبيل إلى إهمالها مع القدرة على مراعاتها اما إذا انعقدت الإمامة بالبيعة أو تولية العهد المنفك عن رتبة الاجتهاد وقامت له الشوكة وأذعنت له الرقاب بان خلا الزمان عن قرشي مجتهد مستجمع جميع الشرائط وجب الاستمرار وإن قدر حضور قرشي مجتهد مستجمع للفروع والكفاية وجميع شرائط الإمامة واحتاج المسلمون في خلع الأول إلى تعرضه لإثارة فتن واضطراب أمور لم يجز لهم خلعه والاستبدال به بل تجب عليهم الطاعة له والحكم بنفوذ ولايته وصحة إمامته لأنا نعلم أن العلم مزية روعيت في الإمامة تحصيلا لمزيد المصلحة في الاستقلال بالنظر والاستغناء عن التقليد وان الثمرة المطلوبة من الإمام تطفئة الفتن الثائرة من تفرق