إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
489
الإعتصام
فالانسان - وإن زعم في الأمر أنه أدركه وقتله علما - لا يأتي عليه الزمان إلا وقد عقل فيه ما لم يكن عقل وأدرك من علمه ما لم يكن أدرك قبل ذلك كل أحد يشاهد ذلك من نفسه عيانا ولا يختص ذلك عنده بمعلوم دون معلوم ولا بذات دون صفة ولا فعل دون حكم فكيف يصح دعوى الاستقلال في الأحكام الشرعية - وهي نوع من أنواع ما يتعلق به علم العبد لا سبيل له إلى دعوى الاستقلال البتة حتى يستظهر في مسألته بالشرع - إن كانت شرعية - لان أوصاف الشارع لا تختلف فيها البتة ولا قصور ولا نقص بل مباديها موضوعة على وفق الغايات وهي من الحكمة . ووجه ثالث : وهو أن ما ندعى علمه في الحياة ينقسم كما تقدم - إلى البديهي الضروري وغيره إلا من طريق ضروري إما بواسطة أو بغير واسطة إذ قد اعترف الجميع أن العلوم المكتسبة لا بد في تحصيلها من توسط مقدمتين معترف بهما فإن كانتا ضروريتين فذاك وإن كانتا مكتسبتين فلا بد في اكتساب كل واحدة منهما من مقدمتين وينظر فيهما ما تقدم وكذلك إن كانت واحدة ضرورية وأخرى مكتسبة فلا بد للمكتسبة من مقدمتين فإن انتهينا إلى ضروريتين فهو المطلوب وإلا لزم التسلسل أو الدور وكلاهما محال فإذا لا يمكن أن نعرف غير الضروري إلا بالضروري . وحاصل الأمر أنه لا بد من معرفتهما بمقدمتين حصلت لنا كل واحدة منهما مما عقلناه وعلمناه من مشاهد باطنة كالألم واللذة أو بديهي للعقل كعلمنا بوجودنا وبأن الاثنين أكثر من الواحد وبأن الضدين لا يمكن اجتماعهما وما أشبه ذلك مما هو لنا معتاد في هذه الدار فإنا يتقدم لنا علم إلا بما هو معتاد في هذه الدار وأما ما ليس بمعتاد فقبل النبوات لم يتقدم لنا به معرفة فلو بقينا وذلك لم نحل ما لم نعرف إلا على ما عرفنا ولأنكرنا من أدعى جواز قلب الشجر حيوانا والحيوان حجرا وما أشبه ذلك لأن الذي نعرفه من المعتادات المتقدمة خلاف هذه الدعوى فلما جاءت النبوات بخوارق العادات أنكرها من أصر على الأمور العادية واعتقادها سحرا أو غير ذلك كقلب العصا ثعبانا وفرق البحر وإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص ونبع الماء من بين أصابع اليد وتكليم الحجر والشجر وانشقاق القمر - إلى