إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

490

الإعتصام

غير ذلك مما تبين به أن تلك العوائد اللازمة في العادات ليست بعقلية بحيث لا يمكن تخلفها بل يمكن أن تتخلف كما يجوز على كل مخلوق أن يصير من الوجود إلى العدم كما خرج من العدم إلى الوجود . فمبادي العادات إذا يمكن عقلا تخلفها إذ لو كان عدم التخلف لها عقليا لم يمكن أن تتخلف لا لنبي ولا لغيره ولذلك لم يدع أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الجمع بين النقيضين ولا تحدى أحد بكون الاثنين أكثر من الواحد مع أن الجميع فعل الله تعالى . وهو متفق عليه بين أهل الإسلام وإذا أمكن في العصا والبحر والأكمه والأبرص والأصابع والشجر وغير ذلك - أمكن في جميع الممكنات لأن ما وجب للشيء وجب لمثله وأيضا فقد جاءنا الشرع بأوصاف من أهل الجنة وأهل النار خارجة عن المعتاد الذي عندنا فإن كون الإنسان في الجنة يأكل ويشرب ثم لا يغوط ولا يبول غير معتاد وكون عرقه كرائحة المسك غير معتاد وكون الأزواج مطهرة من الحيض مع كونهن في حالة الصبا وسن من يحيض غير معتاد وكون الإنسان فيها لا ينام ولا يصيبه جوع ولا عطش وإن فرض أنه لا يأكل ولا يشرب أبد الدهر غير معتاد وكون الثمر فيها إذا قطف أخلف في الحال ويتدانى إلي يد القاطف إذا اشتهاه غير معتاد وكون اللبن والخمر والعسل فيها أنهارا من غير حلاب ولا عصر ولا نحل - وكون الخمر لا تسكر غير معتاد وكون ذلك كله بحيث لو استعمله دائما لا يمتلئ ولا يصيبه كظة ولا تخمة ولا يخرج من جسده لا في أذنه ولا أنفه ولا ارفاغه ولا سائر جسده أوساخ ولا أقذار غير معتاد وكون أحد من أهل الجنة لا يهرم ولا يشيخ ولا يموت ولا يمرض ولا غير معتاد كذلك إذا نظرت أهل النار - عياذا بالله - وجدت من ذلك كثيرا ككون النار لا تأتى عليه حتى يموت كما قال تعالى « لا يموت فيها ولا يحيى » وسائر أنواع الأحوال التي هم عليها كلها خارق للعادة . فهذان نوعان شاهدان لتلك العوائد وأشباهها بأنها ليست بعقلية وإنما هي وضعية يمكن تخلفها وإنما لم نحتج بالكرامات لأن أكثر المعتزلة ينكرونها رأسا وقد أقر بها