إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

479

الإعتصام

وننقل منه إلى معنى آخر ، وهو أن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن مبرأ عن الاختلاف والتضاد ، ليحصل فيه كمال التدبر والاعتبار ، فقال سبحانه وتعالى : « أفلا يتدبرون القرآن . ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا » فدل معنى الآية على أنه بريء من الاختلاف ، فهو يصدق بعضه بعضا ، ويعضد بعضه بعضا ، من جهة اللفظ ومن جهة المعنى . فأما جهة اللفظ فإن الفصاحة فيه متواترة مطردة ، بخلاف كلام المخلوق . فإنك تراه إلى الاختلاف ما هو فيأتي بالفصل من الكلام الجزل الفصيح فلا يكاد يختمه إلا وقد عرض له في أثنائه ما نقص من منصب فصاحته ، وهكذا تجد القصيدة الواحدة ، منها ما يكون على نسق الفصاحة اللائقة ، ومنها ما لا يكون كذلك . وأما جهة المعنى ، فإن معاني القرآن على كثرتها أو على تكرارها بحسب مقتضيات الأحوال على حفظ وبلوغ غاية في إيصالها إلى غايتها من غير إخلال بشيء منها ، ولا تضاد ولا تعارض ، على وجه لا سبيل إلى البشر أن يدانوه ، ولذلك لما سمعته أهل البلاغة الأولى والفصاحة الأصلية - وهم العرب - لم يعارضوه ، ولم يغيروا في وجه إعجازه بشيء مما نفى الله تعالى عنه ، وهم أحرص ما كانوا على الاعتراض فيه والغض من جانبه ، ثم لما أسلموا وعاينوا معانيه وتفكروا في غرائبه ، لم يزدهم البحث إلا بصيرة في أنه لا اختلاف فيه ولا تعارض ، والذي نقل من ذلك يسير توقفوا فيه توقف المسترشد حتى يرشدوا إلى وجه الصواب ، أو توقف المتثبت في الطريق . وقد صح أنه سهل ابن حنيف قال يوم صفين وحكم الحكمين يا أيها الناس اتهموا رأيكم فلقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أبى جندل ولو نستطيع أن نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددناه وأيم الله وما ما وضعنا سيوفنا من على عواتقنا منذ أسلمنا لأمر يفظعنا إلا أسهلن بنا أمر نعرفه - الحديث فوجد الشاهد منه أمران قوله اتهموا الرأي فإن معارضة الظواهر في غالب الأمر رأى غير مبنى على أصل يرجع إليه وقوله في الحديث - وهو النكتة في الباب - والله ما وضعنا سيوفنا - إلى آخره فإن معناه أن كل ما ورد عليهم في شرع الله مما يصادم الرأي فإنه حق يتبين على التدريج حتى يظهر فساد ذلك الرأي وأنه كان شبهة عرضت وإشكالا ينبغي أن لا يلتفت إليه بل يتهم أولا ويعتمد على ما جاء في الشرع