إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

478

الإعتصام

نعم يبقى تنزيل الجزئيات على تلك الكليات موكولا إلى نظر المجتهد فإن قاعدة الاجتهاد أيضا ثابتة في الكتاب والسنة فلا بد من إعمالها ولا يسع تركها وإذا ثبت في الشريعة أشعرت بأن ثم مجالا للاجتهاد ولا يوجد ذلك إلا فيما لا نص فيه ولو كان المراد بالآية الكمال بحسب تحصيل الجزئيات بالفعل فالجزئيات لا نهاية لها فلا تنحصر بمرسوم وقد نص العلماء على هذا المعنى فإنما المراد الكمال بحسب ما يحتاج إليه من القواعد الكلية التي يجرى عليها ما لا نهاية له من النوازل ثم نقول ثانيا إن النظر في كمالها بحسب خصوص الجزئيات يؤدى إلى الإشكال والالتباس وإلا فهو الذي أدى إلى إيراد هذا السؤال إذ لو نظر السائل إلى الحالة التي وضعت عليها الشريعة وهي حالة الكلية - لم يورد سؤاله لأنها موضوعة على الأبدية وإن وضعت الدنيا على الزوال والنهاية وأما الجزئية فموضوعة على النهاية المؤدية إلى الحصر في التفصيل وإذا ذاك قد يتوهم أنها لم تكمل فيكون خلافا لقوله تعالى « اليوم أكملت لكم دينكم » - وقوله تعالى - « ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء » الآية ولا شك أن كلام الله هو الصادق وما خالفه فهو المخالف فظاهر إذ ذاك أن الآية على عمومها وإطلاقها وأن النوازل التي لا عهد بها لا تؤثر في صحة هذا الكمال إما محتاج إليها وإما غير محتاج إليها فإن كانت محتاج إليها فهي مسائل الاجتهاد الجارية على الأصول الشرعية فأحكامها قد تقدمت ولم يبق إلا نظر المجتهد إلى أي دليل يستند خاصة وإما غير محتاج إليها فهي البدع المحدثات إذ لو كانت محتاجا إليها لما سكت عنها في الشرع لكنها مسكوت عنها بالفرض ولا دليل عليها فيه كما تقدم - فليست بمحتاج إليها فعلى كل تقدير قد كمل الدين والحمد لله ومن الدليل على أن هذا المعنى هو الذي فهمه الصحابة رضي الله عنهم أنهم لم يسمع عنهم قط إيراد ذلك السؤال ولا قال أحد منهم لم لم ينص على حكم الجد مع الإخوة وعلى حكم من قال لزوجته أنت على حرام وأشباه ذلك مما لم يجدوا فيه عن الشارع نصا بل قالوا فيها وحكموا بالاجتهاد ، واعتبروا بمعان شرعية ترجع في التحصيل إلى الكتاب والسنة ، وإن لم يكن ذلك بالنص فإنه بالمعنى . فقد ظهر إذا وجه كمال الدين على أتم الوجوه .