إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

477

الإعتصام

فيقولون لعن الله الدهر ومحا الله الدهر . وأشباه ذلك وإنما يسبونه لأجل الفعال المنسوبة إليه فكأنهم إنما سبوا الفاعل والفاعل هو الله وحده فكأنهم يسبونه سبحانه وتعالى فقد ظهر بهذه الأمثلة كيف يقع الخطأ في العربية في كلام الله سبحانه وتعالى وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأن ذلك يؤدى إلى تحريف الكلم عن مواضعه والصحابة رضوان الله عليهم برآء من ذلك لأنهم عرب لم يحتاجوا في فهم كلام الله تعالى إلى أدوات ولا تعلم ثم من جاء بعدهم ممن ليس بعربي اللسان تكلف ذلك حتى علمه وحينئذ داخل القوم في فهم الشريعة وتنزيلها على ما ينبغي فيها كسلمان الفارسي وغيره فكل من اقتدى بهم في تنزيل الكتاب والسنة على العربية - إن أراد أن يكون من أهل الاجتهاد فهو - إن شاء الله - داخل في سوادهم الأعظم كائن على ما كانوا عليه فانتظم في سلك الناجية . فصل النوع الثاني : أن الله تعالى أنزل الشريعة على رسوله صلى الله عليه وسلم فيها تبيان كل شيء يحتاج إليه الخلق في تكاليفهم التي أمروا بها وتعبداتهم التي طوقوها في أعناقهم ولم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كمل الدين بشهادة الله تعالى بذلك حيث قال تعالى « اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا » فكل من زعم أنه بقي في الدين شيء لم يكمل فقد كذب بقوله « اليوم أكملت لكم دينكم » فلا يقال قد وجدنا من النوازل والوقائع المتجددة ما لم يكن في الكتاب ولا في السنة نص عليه ولا عموم ينتظمه وأن مسائل الجد في الفرائض والحرام في الطلاق ومسألة الساقط على جريح محفوف بجرحى وسائر المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها من كتاب ولا سنة فأين - الكلام فيها ؟ فيقال في الجواب أولا أن قوله تعالى « اليوم أكملت لكم دينكم » إن اعتبرت فيها الجزئيات من المسائل والنوازل فهو كما أوردتم ولكن المراد كلياتها فلم يبق للدين قاعدة يحتاج إليها في الضروريات والحاجيات أو التكميليات إلا وقد بينت غاية البيان