إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
471
الإعتصام
وقال تعالى في موضع آخر « ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته » هذا وإن كان بعث للناس كافة فإن الله جعل جميع الأمم وعامة الألسنة في هذا الأمر تبعا للسان العرب وإذا كان كذلك فلا يفهم كتاب الله تعالى إلا من الطريق الذي نزل عليه وهو اعتبار ألفاظها ومعانيها وأساليبها أما ألفاظها فظاهرة للعيان وأما معانيها وأساليبها فكان مما يعرف في معانيها اتساع لسانها وأن تخاطب بالشيء منه عاما ظاهرا يراد به العام ويدخله الخاص ويستدل على هذا ببعض الكلام وعاما ظاهرا يراد به الظاهر ويستغنى بأوله عن آخره وعاما ظاهرا يراد به الخاص وظاهرا يعرف في سياقه أن المراد به غير ذلك الظاهر والعلم بهذا كله موجود في أول الكلام أو وسطه أو آخره وتبتدئ الشيء من كلامها بين أول اللفظ فيه عن آخره أو بين آخره عن أوله ويتكلم بالشيء تعرفه بالمعنى دون اللفظ كما تعرف بالإشارة وهذا عندها من أفصح كلامها لانفرادها بعلمه دون غيرها ممن يجهله وتسمى الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة وتوقع اللفظ الواحد للمعاني الكثيرة فهذه كلها معروفة عندها وتستنكر عند غيرها إلى غير ذلك من التصرفات التي يعرفا من زاول كلامهم وكانت له به معرفة وثبت رسوخه في علم ذلك فمثال ذلك أن الله تعالى خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل وقال تعالى « وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها » فهذا من العام الظاهر الذي لا خصوص فيه فإن كل شيء من سماء وأرض وذي روح وشجر وغير ذلك فالله خالقه وكل دابة على الله رزقها « ويعلم مستقرها ومستودعها » وقال الله تعالى « ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه » فقوله ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله إنما أريد به من أطاق ومن لم يطق فهو عام المعنى وقوله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه عام فيمن أطاق ومن لم يطق فهو عام المعنى .