إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
441
الإعتصام
المسألة الثالثة عشرة : إن قوله عليه الصلاة والسلام إلا واحدة قد أعطى بنصه أن الحق واحد لا يختلف إذ لو كان للحق فرق أيضا لم يقل إلا واحدة ولأن الاختلاف منفى عن الشريعة بإطلاق لأنها الحاكمة بين المختلفين لقوله تعالى « فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول » إذ رد التنازع إلى الشريعة فلو كانت الشريعة تقتضى الخلاف لم يكن في الرد إليها فائدة وقوله « في شيء » نكرة في سياق الشرط فهي صيغة من صيغ العموم فتنتظم كل تنازع على العموم فالرد فيها لا يكون إلا لأمر واحد فلا يسع أن يكون أهل الحق فرقا وقال تعالى « وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل » وهو نص فيما نحن فيه فإن السبيل الواحد لا يقتضى الافتراق بخلاف السبل المختلفة فإن قيل فقد تقدم في المسألة العاشرة في حديث ابن مسعود واختلف من كان قبلنا على ثنتين وسبعين فرقة نجا منها ثلاث وهلك سائرها إلى آخر الحديث فلو لزم ما قلت لم يجعل أولئك الفرق ثلاثا وكانوا فرقة واحدة وحين بينوا ظهر أنهم كلهم على الحق والصواب فكذلك يجوز أن تكون الفرق في هذه الأمة لولا أن الحديث أخبر أن الناجية واحدة فالجواب أولا - أن ذلك الحديث لم نشترط الصحة في نقله إذ لم نجده في الكتب التي لدينا المشترط فيها الصحة وثانيا أن تلك الفرق إن عدت هنا ثلاثا فإنما عدت هناك واحدة لعدم الاختلاف بينهم في أصل الاتباع وإنما الاختلاف في القدرة على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أو عدمها وفي كيفية الأمر والنهى خاصة فهذه الفرق لا تنافى الصحة الجمع بينهما فنحن نعلم أن المخاطبين في ملتنا بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على مراتب فمنهم من يقدر على ذلك باليد وهم الملوك والحكماء ومن أشبههم ومنهم من يقدر باللسان كالعلماء ومن قام مقامهم ومنهم من لا يقدر إلا بالقلب - إما مع البقاء بين ظهرانيهم إذ لم يقدر على الهجرة أو مع الهجرة إن قدر عليها وجميع ذلك خطة واحدة من خصال الإيمان ولذلك جاء في الحديث قوله عليه الصلاة والسلام ليس بعد ذلك من الإيمان حبة خردل .