إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
432
الإعتصام
فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم خرجه القاضي إسماعيل بن إسحاق وقد تقدم أول الكتاب فجعل من شأن المتبع للمتشابه أنه يجادل فيه ويقيم النزاع على الإيمان وسبب ذلك أن الزائغ المتبع لما تشابه من الدليل لا يزال في ريب وشك إذ المتشابه لا يعطى بيانا شافيا ولا يقف منه متبعه على حقيقة فاتباع الهوى يلجئه إلى التمسك به والنظر فيه لا يتخلص له فهو على شك أبدا وبذلك يفارق الراسخ في العلم لأن جداله إن افتقر إليه فهو في مواقع الإشكال العارض طلبا لإزالته فسرعان ما يزول إذا بين له موضع النظر وأما ذو الزيغ فإن هواه لا يخليه إلى طرح المتشابه فلا يزال في جدال عليه وطلب لتأويله ويدل على ذلك أن الآية نزلت في شأن نصارى نجران وقصدهم أن يناظروا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى بن مريم عليهما السلام وأنه الله أو أنه ثالث ثلاثة مستدلين بأمور متشابهات من قوله فعلنا وخلقنا وهذا كلام جماعة ومن أنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى وهو كلام طائفة أخرى - ولم ينظروا إلى أصله ونشأته بعد أن لم يكن وكونه كسائر بني آدم يأكل ويشرب وتلحقه الآفات والأمراض والخبر مذكور في السير والحاصل أنهم إنما أتوا لمناظرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومجادلته لا يقصدوا اتباع الحق والجدال على هذا الوجه لا ينقطع ولذلك ما بين لهم الحق ولم يرجعوا عنه دعوا إلى أمر آخر خافوا منه الهلكة فكفوا عنه وهو المباهلة وهو في قوله تعالى « فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم » الآية وشأن هذا الجدال أنه شاغل عن ذكر الله وعن الصلاة كالنرد والشطرنج وغيرهما وقد نقل عن حماد بن زيد أنه قال جلس عمرو بن عبيد وشبيب بن شيبة ليلة يتخاصمان إلى طلوع الفجر قال فلما صلوا جعل عمرو يقول هيه أبا معمر هيه أبا معمر فإذا رأيتم أحدا شأنه أبدا الجدال في المسائل مع كل أحد من أهل العلم ثم لا يرجع ولا يرعوي فاعملوا أنه زائغ القلب متبع للمتشابه فاحذروه .