إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
387
الإعتصام
شرعا فإن لم تكن معتبرة فهو خلاف ما دلت عليه تلك الأخبار وقد تقدم أنها معتبرة بتلك الأدلة وإن كانت معتبرة فقد صار ثم قسم ثالث غير الكتاب والسنة وهو غير ما نفاه الطبري وغيره وإن قيل إنها تعتبر في الإحجام دون الإقدام لم تخرج تلك عن الإشكال الأول لان كل واحد من الإقدام والاحجام فعل لا بد أن يتعلق به حكم شرعي وهو الجواز وعدمه وقد علق ذلك بطمأنينة النفس أو عدم طمأنينتها فإن كان ذلك عن دليل فهو ذلك الأول بعينه باق على كل تقدير والجواب أن الكلام الأول صحيح وإنما النظر في تحقيقه فاعلم أن كل مسألة تفتقر إلى نظرين نظر في دليل الحكم ونظر في مناطه فأما النظر في دليل الحكم لا يمكن أن يكون إلا من الكتاب والسنة أو ما يرجع إليهما عن إجماع أو قياس أو غيرهما ولا يعتبر فيه طمأنينة النفس ولا نفى ريب القلب إلا من جهة اعتقاد كون الدليل دليلا أو غير دليل ولا يقول أحد إلا أهل البدع الذين يستحسنون الأمر بأشياء لا دليل عليها أو يستقبحون كذلك من غير دليل إلا طمأنينة النفس أن الأمر كما زعموا وهو مخالف لإجماع المسلمين وأما النظر في مناط الحكم فإن المناط لا يلزم منه أن يكون ثابتا بدليل شرعي فقط بل يثبت بدليل غير شرعي أو بغير دليل فلا يشترط فيه بلوغ درجة الاجتهاد بل لا يشترط فيه العلم فضلا عن درجة الاجتهاد ألا ترى أن العامي إذا سأل عن الفعل الذي ليس من جنس الصلاة إذا فعله المصلى هل تبطل به الصلاة أم لا فقال العامي إن كان يسيرا فمغتفر وإن كان كثيرا فمبطل - لم يغتفر في اليسير إلى أن يحققه له العالم بل العاقل يفرق بين الفعل اليسير والكثير فقد انبنى هاهنا الحكم - وهو البطلان أو عدمه - على ما يقع بنفس العامي وليس واحدا من الكتاب أو السنة لأنه ليس ما وقع بقلبه دليلا على حكم وإنما هو مناط الحكم فإذا تحقق له المناط بأي وجه تحقق فهو المطلوب فيقع عليه الحكم بدليله الشرعي وكذلك إذا قلنا بوجوب الفور في الطهارة وفرقنا بين اليسير والكثير في التفريق الحاصل أثناء الطهارة فقد يكتفى العامي بذلك حسبما يشهد قلبه في اليسير أو الكثير فتبطل طهارته أو تصح بناء على ذلك الواقع في القلب لأنه نظر في مناط الحكم .