إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

386

الإعتصام

وكذلك قول عمر إنما هو فيما أشكل أمره في البيوع فلم يدر حلال هو أم حرام ففي تركه سكون النفس وطمأنينة القلب كما في الإقدام شك هل هو آثم أم لا وهو معنى وقوله عليه السلام للنواس ووابصة رضي الله عنهما ودل على ذلك حديث المشتبهات لا ما ظن أولئك من أنه أمر للجهال أن يعملوا بما رأته أنفسهم ويتركوا ما استقبحوه دون أن يسألوا علمائهم قال الطبري - فإن قيل إذا قال الرجل لامرأته أنت على حرام فسأل العلماء فاختلفوا عليه فقال بعضهم قد بانت منك بالثلاث وقال بعضهم إنها حلال غير أن عليك كفارة يمين وقال بعضهم ذلك إلى نيته إن أراد الطلاق فهو طلاق أو الظهار فهو ظهار أو يمينا فهو يمين وإن لم ينو شيئا فليس بشيء أيكون هذا اختلافا في الحكم كإخبار المرأة بالرضاع فيؤمر هنا بالفراق كما يؤمر هناك أن لا يتزوجها خوفا من الوقوع في المحظور أولا قيل حكمه في مسألة العلماء أن يبحث عن أحوالهم وأمانتهم ونصيحتهم ثم يقلد الأرجح فهذا ممكن والحزازة مرتفعة بهذا البحث بخلاف ما إذا بحث مثلا عن أحوال المرأة فإن الحزازة لا تزول وإن أظهر البحث أن أحوالها غير حميدة فهما على هذا مختلفان وقد يتفقان في الحكم إذا بحث عن العلماء فاستوت أحوالهم عنده لم يثبت له ترجيح لأحدهم فيكون العمل المأمور به من الاجتناب كالمعول به في مسألة المخبرة بالرضاع سواء إذ لا فرق بينهما على هذا التقدير انتهى معنى كلام الطبري وقد أثبت في مسألة اختلاف العلماء على المستفتى أنه غير مخير بل حكمه حكم من التبس عليه الأمر فلم يدر أحلال هو أم حرام فال خلاص له من الشبهة إلا باتباع أفضلهم والعمل بما أفتى به وإلا فالترك إذ لا تطمئن النفس إلا بذلك حسبما اقتضته الأدلة المتقدمة . فصل ثم يبقى في هذا الفصل الذي فرغنا منه إشكال على كل من اختار استفتاء القلب مطلقا أو بقيد وهو الذي رآه الطبري وذلك أن حاصل الأمر يقتضى أن فتاوى القلوب وما اطمأنت إليه النفوس معتبر في الأحكام الشرعية وهو التشريع بعينه فإن طمأنينة النفس وسكون القلب مجردا عن الدليل - إما أن تكون معتبرة أو غير معتبرة