إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
368
الإعتصام
للحرج فليس فيه ما يدل على تشديد ولا زيادة تكليف والأمثلة مبينة لهذا الأصل أيضا إذا تقررت هذه الشروط علم أن البدع كالمضادة للمصالح المرسلة لان موضوع المصالح المرسلة ما عقل معناه على التفصيل والتعبدات من حقيقتها أن لا يعقل معناها على التفصيل وقد مر أن العادات إذا دخل فيها الابتداع فإنما يدخلها من جهة ما فيها من التعبد لا بإطلاق وأيضا فإن البدع في عامة أمرها لا تلائم مقاصد الشرع بل إنما تتصور على أحد وجهين إما مناقضة لمقصوده - كما تقدم في مسألة المفتى للملك بصيام شهرين متتابعين - وإما مسكوتا عنه فيه كحرمان القاتل ومعاملته بنقيض مقصوده على تقدير عدم النص به وقد تقدم نقل الإجماع على أطراح القسمين وعدم اعتبارهما ولا يقال إن المسكوت عنه يلحق بالمأذون فيه إذ يلزم من ذلك خرق الإجماع لعدم الملاءمة ولأن العبادات ليس حكمها حكم العادات في أن المسكوت عنه كالمأذون فيه - إن قيل بذلك فهي تفارقها إذ لا يقدم على استنباط عبادة لا أصل لها لأنها مخصوصة بحكم الإذن المصرح به بخلاف العادات والفرق بينهما ما تقدم من اهتداء العقول للعاديات في الجملة وعدم اهتدائها لوجوه التقربات إلى الله تعالى وقد أشير إلى هذا المعنى في كتاب الموافقات وإلى هذا فإذا ثبت أن المصالح المرسلة ترجع إما إلى حفظ ضروري من باب الوسائل أو إلى التخفيف فلا يمكن إحداث البدع من جهتها ولا الزيادة في المندوبات لأن البدع من باب الوسائل لأنها متعبد بها بالفرض ولأنها زيادة في التكليف وهو مضاد للتخفيف فحصل من هذا كله أن لا تعلق للمبتدع بباب المصالح المرسلة إلا القسم الملغى باتفاق العلماء وحسبك به متعلقا والله الموفق وبذلك كله يعلم من قصد الشارع أنه لم يكل شيئا من التعبدات إلى آراء العباد فلم يبق إلا الوقوف عندما حده والزيادة عليه بدعة كما أن النقصان منه بدعة وقد مر لهما أمثلة كثيرة وسيأتي أخيرا في أثناء الكتاب بحول الله .