إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

369

الإعتصام

فصل وأما الاستحسان فلأن لأهل البدع أيضا تعلقا به فإن الاستحسان لا يكون إلا بمستحسن وهو إما العقل أو الشرع أما الشرع فاستحسانه واستقباحه قد فرغ منهما لان الأدلة اقتصت ذلك فلا فائدة لتسميته استحسانا ولا لوضع ترجمة له زائدة على الكتاب والسنة والإجماع وما ينشأ عنها من القياس والاستدلال فلم يبق إلا العقل هو المستحسن فإن كان بدليل فلا فائدة لهذه التسمية لرجوعه إلى الأدلة لا إلى غيرها وإن كان بغير دليل فذلك هو البدعة التي تستحسن ويشهد قول من قال في الاستحسان إنه يستحسنه المجتهد بعقله ويميل إليه برأيه - قالوا وهو عند هؤلاء من جنس ما يستحسن في العوائد وتميل إليه الطباع فيجوز الحكم بمقتضاه إذا لم يوجد في الشرع ما ينافي هذا الكلام ما بين أن ثم من التعبدات مالا يكون عليه دليل وهو الذي يسمى بالبدعة فلا بد أن ينقسم إلى حسن وقبيح إذ ليس كل استحسان حقا وأيضا فقد يجرى على التأويل الثاني للأصوليين في الاستحسان وهو أن المراد به دليل ينقدح في نفس المجتهد لا تساعده العبارة عنه ولا يقدر على إظهاره وهذا التأويل فالاستحسان يساعده لبعده لأنه يبعد في مجاري العادات أن يبتدع أحد بدعة من غير شبهة دليل ينقدح له بل عامة البدع لا بد لصاحبها من متعلق دليل شرعي لكن قد يمكنه إظهاره وقد لا يمكنه وهو الأغلب - فهذا مما يحتجون به وربما ينقدح لهذا المعنى وجه بالأدلة التي استدل بها أهل التأويل الأولون وقد أتوا بثلاثة أدلة أحدها قول الله سبحانه « واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم » وقوله تعالى « الله نزل أحسن الحديث » وقوله تعالى « فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه » هو ما تستحسنه عقولهم .