السيد حيدر الحلي

72

ديوان السيد حيدر الحلي

الرسائل . . ( مدح ، رثاء ، عتاب ) الرسائل . . ( مدح ، رثاء ، عتاب ) 1 - قال مقرظا كتاب ( الرحلة المكية ) للحاج محمد حسن كبه : أيها الرائد خميلة الآداب ، الماخض ثميلة الأفكار والألباب ، إمعن سير رواحل فكرك ، في شعاب هذه الرحلة ، وذق بذوقك السليم في استعذاب هذه النحلة ، واعرف كيف يجتنى الورد ، وبأي عين يراد ، وكيف يجتنى الشهد ، ومن أين يشتار ويستجاد . فلقد بهرني هذا الكامل ، الذي ما كشفت عن مثله ذيولها الحواضن من العقائل ، ولا علقت بمثله من النطف الغر أرحام الحوامل ، ولا اتفقت ألسنة المدح إلا على فضله ، ولا قلب الدهر أجفان حائر قبل هذا في مثله . فابعث رائد نظرك في نجمع شمائله ، ولمع مخائله ، وقلب أجفان التوسم ، والحظ كيف جمع بين التبذخ في معاليه ، وبين التواضع في شرف التكرم ، وتصفحه بعين الفراسة ، وتعجب من ماجد كملت في شرخ شبابه فيه معاني السؤدد والرياسة ، فأصبح كعبة الفتوة ، ومروة الاحسان والمروة ، تتعرف للناس عرفات جوده ونداه ، فما دعا طائف الرجاء به إلا ولباه ، فكل أيامه ولياليه نحر وتشريق ، وكل آناته مباهلة بالجود وتصديق ، قد جمع في حجه بين مشعر الحرم ، ومشعر الجود والكرم ، في رحلة شرف راقت منه بأميرها ، ونحلة ظرف شاقت منه بابن أثيرها ، تارة تجده ابن مفازة ، وتارة ملكا جعل إلى العليا على النجوم مجازه ، يتنقل في تلك الأودية ، وتخفق عليه تلك الرايات والألوية ، في فلوات مجاهل عمية الايضاح ، خرساء صدى الصحاري والبطاح ، يتلون خريتها تلون آلها ، ويمور من الهجير مور أنقائها ، أوقب صلالها ، وتارة يصف لك تلك المنازل ، وما حوت رياضها من المها الخواذل ، والجواري المطافل ، فيدعك آنسا بتلك الخمائل ، كأنك بينها نازل ، وينعت لك شقائق ورد كأنه أبو قابوسها ، ويأخذ في نشر حديث أزهارها كأنه وشي حلية طاووسها ، ويحدث عن مناهل كان ابن فراتها ، وعن صواهل كما قيل : كأنما نتجت تحته قياما ، أو كأنه ولد على صهواتها ، وعن إبل ما أعجب ما وصف به رواحلها ، كأنه لا سواه نتج قادحها وبازلها ، ثم يذكر في أثناء ذلك مساءه وصباحه ، وغدوه ورواحه ، وعشيه وأبكاره ، وأصيله وأسحاره ، بمنطق عذب ، وكلام أرق من خد المحبوب وحشاشة الصب ، ويتنقل في خلال ذلك في وصف طلوع الشمس وغروبها ، وبزوغ الكواكب ومغيبها ، ويتشوق إلى أحبته ، وأهل مودته ، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه أبيات تلك الرحلة . وكلمات هذه النحلة ، في نظم كالذهب الابريز ، أخلصه السبك ، أو كاللؤلؤ الرطب ، تتوالى فرائده في أحسن سلك ، وحيث راقني بها الاعجاب ، وأخذك مني ما تأخذه محاسن بارعة الجمال من القلوب والألباب ، قرضت كعابها ، وقرطت من أبياته أترابها ، فحليتها بهذا الوقف ، وشنفتها بهذا الرعاث والشنف ، وذلك قولي فيها ، وفي منشئ معانيها : طرح الدهر في حمى المجد رحله * عند مولى يميره اليوم كله ( 833 ) أقول ولعمري أين يقع هذا التقريض ، من مدحه على هذا النظم ، الذي عادت به حياة القريض ، وإني لأحمد الله على ما أولانا من عظيم المنن ، إذ رفع يتم الشعر في هذا الزمن ، بخلف آبائه الحسن ، وحقيق أن أقول فيه ، وإن لم أوفه من المدح حق معانيه ( 834 ) : ما حلية الدنيا سوى أمجادها * يزهر في بهائم نديها واليوم قد زينت ومن محمد * لا من سواه حسن حليها قد نسج الفخر له مطارفا * مطرز بصنعه بهيها

--> 833 تقدمت في حرف اللام . 834 وفي المطبوع : معاليه .