إعداد أبو الفضل حافظيان البابلي

232

رسائل في دراية الحديث

فمع وجود هذه المرجّحات يحكم العقل بترجيح صدق خبر الواحد الّذي وُجِد فيه إحدى المرجّحات ، بل وتقديمه على خبر الواحد الفاقد لها . فإن قلت : بعد فرض وجود المرجّح العلميّ بكلا قسميه ؛ لا يجوز الاعتماد والرجوع إلى الثاني بكلا فرْدَيْه ، للزوم ترجيح المرجوح على الراجح ، وكذا لو عمل بالأوّل من الثاني لا حاجة إلى الثاني من الثاني ، بل ما يلزم - فيما لو اكتفى بالأوّل من الأوّل - يلزم على العمل بالثاني من الثاني لو اكتفى بالأوّل من الثاني . قلت : نعم ، لكنّ المرجّح العلميّ في سلسلة الأخبار - بكلا قسمَيْه - قليل غاية القلّة ، وكذا الظنّيّ ، والقرائن علميّةً كانت - كما في الثاني من الأوّل - أو ظنّيّةً - كما في الثاني من الثاني - أيضاً قليلة ، فعدم الكفاية الجأنا إلى إعمال جميع المرجّحات بإعمال القواعد الرجاليّة ، بل انحصرت القرينة في زماننا هذا بالظنون الحاصلة من المرجّحات الداخليّة والخارجيّة ، [ و ] بعد الرجوع إلى علم الرجال يحصل الاطّلاع عليها . فإن قلت : إذا عرفنا شخص الراوي وعيَّنّا ذاتَ المخبِر بالاسم - كما مرّت الإشارة إليه في مقام التعريف - ذاتاً أو صفاتاً ؛ فلا يحتاج إلى علم الرجال . قلت : معرفة الراوي إمّا بالمعاشرة التامّة ، والمخالطة والمصاحبة الموثوقة ، وذلك لا يحصل إلاّ بالملاقاة المخصوصة ، وإمّا بالإخبار [ وهو ] إمّا بالتسامع والتظافر ، أو غيره . أمّا الأوّل ؛ فلا شكّ أنّ ذلك منتف بالنسبة إلينا ، لعدم معاشرتنا - ولو ناقصةً - لواحد من المشايخ الذين قد جمعوا أسانيد الرواة وأصحابهم [ ف‍ ] كيف بمعاشرتنا [ لهم ] بالمصاحبة ، فلا بدّ أن يكون الاطّلاع على أحوالهم وأوصافهم ؛ من الوثاقة وعدمها ، وأسباب الصدق والكذب - مدحاً وقدحاً - إمّا بالإخبار على نحو التواتر والتظافر [ وهو ] قليلٌ غاية القلّة مثل عدالة سلمان - رضي الله عنه - وأمثاله كأبي ذرٍّ والمقداد من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والأحاديث المرويّة عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) [ فإنّها ] قليلة في الأبواب ، [ ف‍ ] كيف بإخبار هؤلاء المحصورين في واقعة من الوقائع ، كقوله ( صلى الله عليه وآله ) : " على اليد ما أخذت [ حتّى تؤدّي ] " وأمثاله ، بحيث صار من القواعد المسلّمة [ التي ] لا يحتاج في