إعداد أبو الفضل حافظيان البابلي

127

رسائل في دراية الحديث

وبعض آخر من فضلاء العامّة بعد أن عنون المدلّس والمعنعن والمؤنّن عنواناً واحداً قال : " إنّ تدليس الإسناد ممّا يضعّف به الحديث إجماعاً . والصحيح أنّ حكمه حكم المرسل . وأمّا الحديث المعنعن ، وهو الذي وقع في الإسناد ، " حدّثنا فلان عن فلان " فقد جعله بعض الناس مرسلا . والصواب التفصيل ، فمتى أمكن اللقاء وبرئا من التدليس كان متّصلا ، وقد وقع منه في الصحيحين كثير ، فلذلك يكون ما روي به على سبيل الإجازة عند من يصحّح الرواية بالإجازة متّصلا . وأمّا المؤنّن وقد يقال : المؤنّان ، وهو ما كان في إسناده " حدّثنا فلان ، أنّ فلاناً قال " ، والجمهور على أنّه مثل المعنعن " ( 1 ) انتهى كلامه . فإن قلت : ما تقول فيما ذكره البعض في المقام قائلا : " إنّ الفرق بين المدلّس والمرسل الخفي دقيق يحصل تحريره بما ذكر هاهنا ، وهو أنّ التدليس يختصّ بمن روى عمّن عرف لقاؤه إيّاه ، فأمّا إن عاصره ولم يعرف أنّه لقيه فهو المرسل الخفي . ومن أدخل في تعريف التدليس المعاصرة ولو بغير لقاء لزمه دخول المرسل الخفي في تعريفه ، والصواب : التفرقة بينهما . ويدلّ على أنّ اعتبار اللقاء في التدليس دون المعاصرة وحدها لابدّ منه إطباق أهل العلم بالحديث على أنّ رواية المُخَضْرَمين كأبي عثمان النهدي وقيس بن أبي حازم عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) من قبيل الإرسال لا من قبيل التدليس ، ولو كان مجرّد المعاصرة يكتفى به في التدليس لكان هؤلاء مدلِّسين ؛ لأنّهم عاصروا النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) قطعاً ولكن لم يعرف هل لقوه أم لا ؟ وممّن قال باشتراط اللقاء في التدليس الشافعي وأبو بكر البزّاز ، وكلام الخطيب في الكفاية يقتضيه وهو المعتمد . " ( 2 )

--> 1 . لم نظفر على قائله . 2 . نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر : 83 و 82 .