السيد محمد بن علي الطباطبائي
667
المناهل
أولا ان ما دل على انّ المراد بالطين في النصوص والفتاوى ما يعم المدر مما بيّناه سابقا يدلّ أيضاً على انّ المراد به الاعمّ من التراب أيضاً كما لا يخفى ويؤيّد ما ذكرناه ما نبّه عليه في الرياض بقوله بعد الإشارة إلى خبر أبي يحيى الواسطي المتقدّم ويستفاد منه ومن غيره ممّا تضمّن الاستثناء المذكور فيه المشار إليه في كلام الأصحاب انّ المراد بالطين هنا ما يعمّ التراب الخالص والممزوج بالماء الذي هو معناه الحقيقي لغة وعرفا ويعضد ما ذكره قول لك المراد بالطين ما يشمل التراب والمدر وظاهره انّ ما ذكره تفسير للفظ الطَّين الوارد في النصوص والفتاوى وقوله حجّة في مقام تفسير كلام الغير لأصالة حجيّة خبر العدل خصوصا مثل الشهيد الثّاني ولفحوى ما دل على الاعتماد على قرائن ظنية يكون ظنّها أضعف من الظنّ الحاصل من تفسير هذا وهو خال عن المعارض معتضد بوجوه تقدم إليها الإشارة وثانيا ما نبّه عليه في الرّياض بقوله بعد الإشارة إلى ما حكينا عنه سابقا مضافا إلى تعليل التّحريم بالاضرار بالبدن الوارد في بعض النصوص والفتاوى وبناء على حصول الضرر في الخالص أيضاً قطعا وثالثا انّ المستفاد من بعض النصوص المتقدمة انّ العلَّة في حرمة اكل الطَّين رجوعه إلى اكل لحوم النّاس المحرم ومن الظ انّ هذه العلَّة جارية في اكل التّراب والمدر كما لا يخفى فيكون محرما أيضاً فت ورابعا انّه لو لم يكن المراد بالطَّين في النصوص وأكثر الفتاوى الاعمّ من التّراب والمدر لكان النهى عن اكله والتشديد والتأكيد فيه خاليا عن الفائدة لاتّفاق النّاس على الامتناع من اكله ولم نسمع أحدا اكل الطين ولو للاستشفاء فيكون المقصود من النهى حاصلا مع عدمه فيكون وروده في قوّة تحصيل الحاصل وهو من الحكيم محال الَّا ان يقال إن كل مدر وتراب لا يؤكل الَّا بعد صيرورته طينا وهى عند المضغ والازدراد فلذا جعل موضوع التّحريم الطين في النصوص والفتاوى وعلى هذا لا يتّجه فرض مسئلة اكل الطَّين ومسئلة اكل المدر ومسئلة اكل التّراب بما قبل الوضع في الفم والمضغ وامّا بعده فالجميع طين فيحكم بتحريمه وفيما ذكر نظر وإن كان الغالب ذلك ان عممنا الطَّين بحيث يشمل التّراب الممزوج بكل مايع ولو لم يكن ماء مط وكان مضافا والا فلا وللقول الرابع أولا ما نبّه عليه في الرّياض بقوله بعد الإحتجاج على حرمة التّراب باشتراكه مع الطَّين في ترتب الضّرر على الاكل ومنه يظهر وجه ما اشتهر بين المتفقهة من حرمة التراب والأرض كلَّها حتّى الرّمل والأحجار وضعف ما أورد عليهم من انّ المذكور في النصوص الطَّين الذي هو حقيقة في التّراب الممزوج بالماء الَّا ان يخصّ الايراد بصورة القطع بعدم ضرر هذه الأشياء وهو حسن ان قلنا بثبوتها مع انّ الظَّ عدمها بل الظَّن حاصل بضررها مط فت جدّا وقد يناقش فيما ذكره بالمنع من حصول القطع أو الظنّ بترتب الضّرر على اكل المفروض في جميع الأحوال أو في أغلبها والا لما تداول تناول كثير من الأحجار الَّتي هي من جملة الجواهر ومن غيرها لان الطباع البشريّة مجبولة على التجنب من المضار وان لم يثبت التّحريم شرعا فليس اكل الأحجار والرّمال ونحوهما الا للانتفاع بها واصلاحها للقلب والدماغ والبدن ولو فرض ترتّب ضرر على اكلها أحيانا حرم ح من هذه الحيثية وهو لا يستلزم التحريم مط ولو في الانتفاع منه لفقد الدّليل عليه وعدم القائل بالفرق هنا غير معلوم بل الظ عدمه وقد نبّهنا على ما ذكرناه في مجمع الفائدة قائلا والضرر مط غير معلوم ولعله أشار في الرّياض إلى ما ذكره بقوله بعد ما حكينا عنه سابقا فت جدّا وثانيا ما نبه عليه في مجمع الفائدة بقوله ولعل وجه المشهور انه إذا كان الطين حراما وليس فيه الَّا الماء والتّراب ومعلوم عدم تحريم الماء ولا معنى لتحريم شيء بسبب انضمام شيء محلل فلو لم يكن التّراب حراما لم يكن الطَّين كك وانّما التّراب جزء الأرض فيكون كلَّها حراما وقد يجاب عمّا ذكره بأنّه في غاية الضّعف كما نبّه عليه بقوله بعد ما ذكره فيه تامّل واضح فت وهذا القول عندي ضعيف كما يظهر عن مجمع الفائدة ولك والكفاية بل هو الظَّ من محققّى الأصحاب لان احتمال شمول لفظ الطَّين في عباراتهم كالنصوص لمطلق وجه الأرض ضعيف جدّا بل قد يمنع من صحّة استعماله فيه مجازا لعدم وروده في اللَّغة على الظ ولفقد العلاقة المصححة وامّا المتفقهة الذّين نسب في مجمع الفائدة والكفاية والريّاض إليهم القول الرّابع فالظ ان المراد منهم القاصرون عن درجة الإجتهاد ومن لا يصح تقليده فلا يترتّب على مخالفتهم اثر البتة والأقرب عندي هو القول الثّالث من حرمة اكل المدر والتّراب خصوصا إذا قلنا بانّهما متى وضعا في الفم للاكل صارا من الطين بناء على كون الطين عبارة عن التّراب الممزوج بالمايع مط ولو كان مضافا ومع ذلك فهذا القول أحوط وربما يستفاد من مجمع الفائدة ان ما حكاه عن المتفقّهه أحوط أيضا وينبغي التنبيه على أمور الأوّل إذا امتزج التّراب اليابس بغير الماء المطلق من ساير المايعات كما إذا امتزج بماء الورد والجلاب والرمان والنارنج وباللبن والمرق ونحوها فهل هو طين فيحرم اكله أو لا فلا يحرم اكله لم أجد أحدا من الأصحاب تعرض لهذه المسئلة ولعلَّه لندرتها وقلَّة وقوع المفروض في الخارج وكيف كان ففيها احتمالان أحدهما انّه يجوز اكل ذلك كما يجوز اكل الأحجار ويدلّ عليه الأصل والعمومات المتقدم إليها الإشارة مرارا عديدة ولا يعارضها ما دل على حرمة اكل الطين من النصوص والفتاوى ولا ما دل على حرمة اكل المدر ولا ما دل على حرمة اكل التّراب اما الأوّل فلما عرفت من تصريح مجمع الفائدة والكفاية والرّياض بانّ الطَّين حقيقة لغة وعرفا في التّراب الممزوج بالماء ولفظ الماء في كلامهم ينصرف إلى الماء المطلق دون المضاف لان الأول حقيقة والثّاني مجاز لما بيّناه في اوّل كتاب الطَّهارة ومن القواعد المقرّرة المجمع عليها انّ اللفظ يجب حمله على معناه الحقيقي عند الاطلاق ولا يجوز حمله على المعنى المجازى الَّا بقرينة صارفة عن الحقيقة وهى هنا منتفية ويعضد ما ذكروه من التّفسير أولا ما حكاه في مجمع الفائدة عن القاموس وقد تقدّم إليه الإشارة وثانيا انّ المتبادر من اطلاق الطَّين ما ذكروه والأصل في التبادر أن يكون علامة الحقيقة سلَّمنا انّ لفظ الطين حقيقة فيما يعمّ الممزوج بغير الماء المطلق من المياه ولكن لا ريب في انّ اطلاقه ينصرف إلى الممزوج بالماء المطلق لشيوعه وغلبته وندرة غيره في الغاية وامّا الثاني والثّالث ففي غاية الوضوح لانّا نمنع من صحّة استعمال لفظ الطين فيهما مجازا فضلا ان يكونا من الافراد الحقيقة التي تشملها الاطلاق ويعضد ما ذكرناه من الأصل والعمومات انّه لو كان المفروض حراما لورد التنبيه عليه في النّصوص والفتاوى لئلا يتوهم النّاس حليّته باعتبار ما ذكرنا سابقا