السيد محمد بن علي الطباطبائي
266
المناهل
العموم يختص بما إذا خلى المعاطاة عن اللَّفظ مطلقا واما إذا اشتمل على لفظ كما إذا كان الايجاب أو القبول لفظا فلا يشمله فيبقى عموم ما دل على صحة البيع سليما عن المعارض هنا فينبغي الحكم بصحته وإذا صحّ هذا صحّ المعاطاة الخالية عن اللفظ مطلقا لعدم القائل بالفصل فتامّل سلَّمنا ولكن التعارض بين هذين العمومين من قبيل تعارض العمومين من وجه ولا ريب في انّ الترجيح مع عموم ما دلّ على صحّة البيع ومنها انّ المعاطاة يصدق عليها انّها عقد والأصل في كلّ عقد الصّحة لعموم قوله تعالى : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » لا يقال المقدّمة الأولى ممنوعة فانّ العقد عبارة عن الايجاب والقبول اللَّفظين فلا يشمل مجرّد العقد الباطني لأنا نقول لا شاهد على ذلك من لغة وعرف بل مقتضاهما هو العقد الباطني من الطَّرفين ولا يقال المقدّمة الثّانية ممنوعة فانّ الآية الشّريفة لا تنهض باثباتها لأنّا نقول الحق دلالة الآية الشريفة عليها كما بيّناه في كتبنا الأصوليّة ومنها انّ المسلمين من عصر النبيّ صلى اللَّه عليه وآله إلى زماننا هذا قد جرت عادتهم بالمعاطاة في الخطير والحقير ولو كانت غير مفيدة للملك وبيعا فاسدا للزم اتفاقهم على الخطأ وهو باطل وقد أشار إلى هذا المقدّس الأردبيلي لا يقال غاية ما يستفاد من سيرة المسلمين حصول إباحة التصرّف بالمعاطاة وهو غير محل البحث لأنا نقول المعلوم من سيرتهم المستمرة وعملهم الدّائم هو البناء على التّمليك والتّملك لا على محض إباحة التصرّف قطعا كما يشهد به ما صرح به بعض فضلاء العصر من اجرائهم حكم الأملاك على ما اخذ بالمعاطاة من ايقاع عقد البيع والإجارة والهبة والصّلح والصّدقة وجميع العقود ممّا يتعلَّق بتمليك الأعيان أو المنافع عليه وتعلَّق العتق والوقف والحبس والرّهن والرّبا والنذر والأيمان والوصايا ونحوها به وكذا حكم المواريث والأخماس والزكوات واستطاعة الحجّ والنّظر إلى الجواز ولمسهن ووطيهن وتحليلهنّ وتزويجهن ونحو ذلك فالحجّة هو اجماعهم المتحصّل من السيرة والاعمال المتكررة منهم في هذا الزّمان الطَّويل ولا ريب في انّ الاجماع كما يتحصّل من أقوالهم كك يتحصّل من اعمالهم بل ومن تقريراتهم فلا يشترط في الاجماع اتفاق الفتاوى بل المعتبر فيه اتّفاق الآراء على امر بحيث يحصل منه العلم بمعتقد المعصوم الحافظ للشرع سواء علم ذلك بالأقوال أم بالافعال أم بالتقّريرات فانّ جميعها مشترك في الدّلالة على الواقع ولذلك اتفق المحقّقون على الظَّاهر على انّ الدّليل الشّرعى ينقسم باعتبار اخر إلى قول وفعل وتقرير لا يقال إذا أردت من سيرة المسلمين افعال عدا من العلماء منهم من العوام فذلك على تقدير تسليمه غير نافع بالضّرورة فانّ افعال العوام غالبا غير مستندة إلى الشّريعة لأنهم ليسوا من أهل الاطلاع عليها ولذا شاع منهم التظاهر بالمنكرات وان أردت افعال العلماء الحافظين للشريعة فذلك ممنوع هذا وكيف يمكن دعوى اجماعهم على ذلك مع مخالفة جماعة منهم بل قريب إلى الأكثر وادعى الشهرة عليها لانّا نقول المراد افعال جميع المسلمين من العلماء والعوام بحيث يحصل معها العلم بالاجماع ولئن تنزلنا فلا أقل من الظنّ به وهو كاف في هذه المسئلة ومخالفة جماعة فيها قولا في مقام غير قادحة كما لا يخفى ويعضد ما ذكرناه تصريح المحقّق الثاني في جامع المقاصد والمقدّس الأردبيلي في مجمع الفائدة بأنّه لا يقول أحد من الأصحاب بانّ المعاطاة بيع فاسد سوى العلامة وزاد في الأوّل فصرّح بأنّه رجع عنه في كتبه المتأخرة ومنها انّ المعاطاة لو لم تكن مفيدة للملك بل كان افادته موقوفة على اللَّفظ لاشتهر وتواتر التنبيه عليه عن المعصومين عليهم السّلام لتوفر الدّواعى عليه وظهور انّ عادتهم الاهتمام بحال الرّعية في بيان الأحكام الشرعيّة حتّى المندوبات والمكروهات والاحكام الجزئية والتالي باطل فالمقدّم مثله وصرّح بما ذكر في الكفاية وكذا في مجمع الفائدة مدّعيا ان ترك التنبيه اغراء بالجهل وهو غير جائز عندنا ثمّ صرّح بانّ السكوت وعدم البيان في مثل هذا المقام صريح في الحوالة على العرف كما في سائر الأمور المحالة عليه ومنها انّ المعاطاة لو لم تفد الملك لوجب بعد موت المتعاملين رد مالهما إلى وارثهما والتالي باطل للزوم الحرج العظيم ولانّ عمل المسلمين على خلافه لا يقال الملازمة ممنوعة لامكان الحكم بثبوت إباحة التصرّف بعد الموت دون الملكيّة لانّا نقول هذا الحكم على خلاف الأصل فلا يصار إليه فتامّل وقد أشار إليه في مجمع الفائدة ومنها انّ المعاطاة لو لم تكن مفيدة للملك للزم فساد عتق العبد المشترى بطريق المعاطاة والتالي باطل فالمقدّم مثله امّا الملازم فلعموم ما دلّ على انّه لا عتق الَّا في ملك واما بطلان التالي فللزوم الحرج العظيم على تقديره ولانّ المعهود من سيرة المسلمين خلافه ومنها انّ المعاطاة لو لم تكن مفيدة للملك للزم ردّ نماء مال المتعاملين بطريق المعاطاة اليهما والتالي باطل فالمقدّم مثله امّا الملازمة فلانّ النّماء تابع للأصل والأذن في التصرّف انّما اختصّ به فلا يشمل النّماء فالتصرّف فيه بغير اذن من المالك فلا يجوز فيجب رده إليه وامّا بطلان التالي فللزوم الحرج العظيم على تقديره ولانّ المعهود من سيرة المسلمين خلافه ومنها انّ المعاطاة لو لم تكن مفيدة للملك لما جاز لكلّ من البايع والمشترى التصرّف الناقل للملك فيما انتقل إليه من مال الاخر كالبيع والصّلح والهبة والوقف والتالي باطل فالمقدّم مثله وقد أشار إليه ما ذكر في مجمع الفائدة لا يقال الملازمة ممنوعة لامكان تجويز ذلك على القول بانّ المعاطاة تفيد الإباحة لا نقل الملك لان سبب الإباحة ليس الَّا الأذن الحاصل بالمعاطاة وهو يشمل جميع التصرّفات لانّا نقول لا نسلم ذلك سلَّمنا عموم الاذن ولكن نمنع كفايته بل يشترط في التصرّف الناقل كون المتصرّف مالكا ولا ينتقض ذلك بتصرّف الوكيل والفضولي والولي والوصىّ لانّ تصرّفهم انما هو بالنيابة فكان كتصرّف المالك ولا كك محلّ البحث فانّ تصرّفه بالاستقلال والاصالة وهو مشروط بما ذكر لا مطلق التصرّف سلمنا ولكن تصرف أولئك خرج بالدّليل ولا دليل على خروج محل البحث فيبقى مندرجا تحت القاعدة هذا ولا شك في انّ التصرّف الناقل على وجه الاصالة يتبع الملك غالبا فيلحق محل الشك وهو محل البحث بالغالب عملا بالاستقراء ولا يقال لا نسلم بطلان التالي لأنا نقول منعه غير متجه لعموم ما دل على نفى الحرج ولظهور الاتفاق على بطلانه