محمد بن القاسم ابن الأنباري

612

الزاهر في معاني كلمات الناس

يتعجب من الشيء إذا كان في النهاية من المعنى الذي بلغه ووصل إليه . وكذلك هؤلاء الذين عجب اللَّه عز وجل منهم لما بلغوا غاية من الفعل عظيمة عظم بها جزاؤهم ، سمّى فعله عجبا على جهة التشبيه والمجاز . حدثنا أحمد بن الهيثم قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم قال : حدثنا الربيع وحماد بن سلمة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم : « عجب ربّكم من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل » ( 1 ) . وحدثني أبي قال : حدثنا محمد قال : حدثنا الفراء قال : حدثنا مندل بن علي عن الأعمش عن شقيق قال : قرأت عند شريح : « بل عجبت ويسخرون » فقال : أن اللَّه لا يعجب من شيء ، إنما يعجب من لا يعلم . قال : فذكرت ذلك لإبراهيم فقال : إنّ شريحا شاعر يعجبه علمه ، وعبد اللَّه أعلم منه ، وكان يقرأ : بل عجبت ويسخرون ، والعرب تسمي الفعل باسم الفعل إذا داناه من بعض وجوهه ، وإن كان مخالفا له في أكثر معانيه ، من ذلك قول الصلتان - يرثي المغيرة بن المهلب - ( 2 ) : سبقت يداك له بعاجل طعنة * سفهت لمنفذها أصول جوانح شبّه خروج الدم بالسّفه ، لأن السّفه : الخفّة وشدة الإسراع . وقال عدي بن زيد ( 3 ) : ثم أضحوا لعب الدهر بهم * وكذاك الدهر يودي بالرجال فجعل إهلاك الدهر وإفساده لعبا . وقال الآخر يصف السيف : وأبيض موشيّ القميص عصبته * على ظهر مقلات سفيه جديلها فشبه اضطراب الجديل وتحركه بالسّفه . وأنشدنا أبو العباس عن ابن الأعرابي لابن محكان يصف قدرا ، نصبها للأضياف : لها أزير يزيل اللحم أرمله * عن العظام إذا ما استحمشت غضبا فشبه التهابها بالغضب . قال أبو بكر : هذا كله معروف في المجاز والاختصار .

--> ( 1 ) النهاية 2 / 389 . ( 2 ) المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة ، ت 82 ه - . ( وفيات الأعيان 5 / 354 ، الخزانة 4 / 192 ) . ( 3 ) أخل به ديوانه . وهو له في الأغاني 2 / 135 ، وزاد المسير 7 / 50 .