محمد بن القاسم ابن الأنباري
611
الزاهر في معاني كلمات الناس
وقولهم : قد خدع فلان فلانا قال أبو بكر : معناه : قد أظهر له أمرا أضمر خلافه من الفساد ، وما يشاكل الفساد من الأفعال المذمومة ، وهو مأخوذ من الخدع ، والخدع : الفساد . أخبرنا أبو العباس عن ابن الأعرابي قال : الخادع عند العرب : الفاسد من الطعام وغيره ، وأنشد : أبيض اللَّون لذيذا طعمه * طيّب الرّيق إذا الرّيق خدع ( 1 ) أي : فسد . وقول اللَّه عز وجل : * ( إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ الله وهُوَ خادِعُهُمْ ) * ( 2 ) ، مشاكل لما وصفنا ، أي : يظهرون الإيمان ويضمرون الكفر ، فيغيّب اللَّه عز وجل عنهم غير الذي يظهر لهم ، لأنه تعالى يظهر لهم النعم ، ويرزقهم الأموال والأولاد ، ويحسن لهم الحال ، ويغيّب عنهم ما قد أوجبه عليهم ، وحكم به من عذاب الآخرة . فجازاهم بمثل فعلهم ، وغيّب عنهم خلاف الذي أظهر لهم ، كما أضمروا هم وغيّبوا خلاف الذي أظهروا وأعلنوا . وقد يقال : إن معنى قوله : وهو خادعهم ، وهو مجازيهم على المخادعة ، فسمي الجزاء على الشيء باسم الشيء الذي له الجزاء ، كما قال عز وجل : * ( بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ ) * ( 3 ) ، فأخبر عن نفسه بالعجب ، وهو يريد : بل جازيتهم على عجبهم من الحق ، فسمّى فعله باسم فعلهم ، وقد أخبر عز وجل عنهم في غير موضع بالعجب من الحق فقال : * ( أكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ ) * ( 4 ) ، وقال تعالى : * ( بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ) * ( 5 ) ، وحكي عنهم أنهم قالوا : إن هذا لشيء عجاب ، فسمى فعله عجبا ، وليس بعجب في الحقيقة ، إذ كان المتعجب يدهش ويتحير ، واللَّه عز وجل ، وهو خادعهم ، وهو معاقبهم ، ومعنى قوله : بل عجبت ، بل عظَّمت ثوابهم وجزاءهم ، فسمى المعاقبة خداعا ، لأن الخادع غالب ، والغالب قادر على المعاقبة . وسمى تعظيم الثواب عجبا ؛ لأن المتعجّب من الناس ، إنما
--> ( 1 ) لسويد بن أبي كاهل ، ديوانه 24 . ( 2 ) سورة النساء : آية 142 . ( 3 ) سورة الصافات : آية 12 . ( 4 ) سورة يونس : آية 2 . ( 5 ) سورة ق : آية 2 .