ابن الجوزي
18
زاد المسير في علم التفسير
قوله [ عز وجل ] : " تنجيكم " بالتشديد . وقرأ الباقون بالتخفيف . ثم بين التجارة ، فقال [ عز وجل ] : ( تؤمنون بالله ) إلى قوله [ عز وجل ] : ( يغفر لكم ) فإن قيل كيف قال تؤمنون بالله ، وقد قال يا أيها الذين آمنوا آمنوا وقد سبق ذلك الجواب عنه بنحو الجواب عن قوله يا أيها الذين آمنوا آمنوا وقد سبق ذلك قال الزجاج : وقوله : " يغفر لكم " جواب قوله : تؤمنون " وتجاهدون " ، لأن معناه معنى الأمر . والمعنى : آمنوا بالله وجاهدوا ، يغفر لكم ، أي : إن فعلتم ذلك ، يغفر لكم . وقد غلط بعض النحويين ، فقال : هذا جواب " هل " وهذا غلط بين ، لأنه ليس إذا دلهم على ما ينفعهم غفر لهم ، إنما يغفر لهم إذا عملوا بذلك . ومن قرأ " يغفر لكم " بادغام الراء في اللام ، فغير جائز عند سيبويه ، والخليل ، لأنه لا تدغم الراء في اللام في قولهم . وقد رويت عن أبي عمرو بن العلاء ، وهو إمام عظيم ، ولا أحسبه قرأها إلا وقد سمعها من العرب . وقد زعم سيبويه والخليل وجميع البصريين ، ما خلا أبا عمرو ، أن اللام تدغم في الراء ، وأن الراء لا تدغم في اللام ، وحجتهم أن الراء حرف مكرر قوي ، فإذا أدغمت في اللام ذهب التكرير منها . وما بعد هذا قد سبق إلى قوله [ عز وجل ] : ( وأخرى تحبونها ) قال الفراء : والمعنى : ولكم في العاجل مع ثواب الآخرة أخرى تحبونها ، ثم فسرها فقال [ عز وجل ] ( نصر من الله وفتح قريب ) وفيه قولان : أحدهما : أنه فتح مكة ، قاله ابن عباس . والثاني : فتح فارس والروم ، قاله عطاء . قوله [ عز وجل ] : ( وبشر المؤمنين ) أي : بالنصر في الدنيا ، والجنة في الآخرة . ثم حضهم على نصر دينه بقوله [ عز وجل ] : ( كونوا أنصار الله ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو " كونوا أنصارا لله " منونة . وقرأ عاصم ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي " أنصار الله " مضاف ومعنى الآية : دوموا على ما أنتم عليه ، وانصروا دين الله مثل نصرة الحواريين لما قال لهم عيسى : ( من أنصاري إلى الله ) وحرك نافع ياء " من أنصاري إلى الله " [ وقد سبق تفسير ] هذا الكلام قوله ( فآمنت طائفة من بني إسرائيل ) بعيسى ( وكفرت طائفة ) ( فأيدنا الذين آمنوا ) بعيسى ( على عدوهم ) وهم مخالفو عيسى ، كذلك قال ابن عباس ، ومجاهد ، والجمهور ، وقال مقاتل : تم الكلام عند قوله [ عز وجل ] : ( وكفرت طائفة ) ، ( فأيدنا الذين آمنوا ) بمحمد ( على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ) بمحمد على الأديان وقال إبراهيم النخعي : أصبح من آمن بعيسى ظاهرين بتصديق محمد [ صلى الله عليه وسلم ] أن عيسى كلمة الله وروحه بتعليم الحجة . قال ابن قتيبة : ( فأصبحوا ظاهرين ) أي : غالبين عليهم [ بمحمد ] . من قولك : ظهرت على فلان : إذا علوته ، وظهرت على السطح : إذا صرت فوقه .