ابن الجوزي
236
زاد المسير في علم التفسير
( وأعطى قليلا ) فيه أربعة أقوال : أحدها : أطاع قليلا ثم عصى . قاله ابن عباس . والثاني : اعطى قليلا من نفسه بالاستماع ثم أكدى بالانقطاع . قاله مجاهد . والثالث : اعطى قليلا من ماله ثم منع ، قاله الضحاك . والرابع : أعطى قليلا من الخير بلسانه ثم قطع ، قاله مقاتل ، قال ابن قتيبة : ومعنى " أكدى " : قطع ، وهو من كدية الركية ، وهي الصلابة فيها ، وإذا بلغها الحافر يئس من حفرها ، فقطع الحفر ، فقيل لكل من طلب شيئا فلم يبلغ آخره ، أو أعطى ولم يتم : أكدى . قوله تعالى : ( أعنده علم الغيب فهو يرى ) فيه قولان : أحدهما : فهو يرى حاله في الآخرة ، قاله الفراء والثاني : فهو يعلم ما غاب عنه من أمر الآخرة وغيرها ، قاله ابن قتيبة . قوله تعالى : ( أم لم ينبأ بما في صحف موسى ) يعني التوراة ، ( وإبراهيم ( أي : وصحف إبراهيم . وفي حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم " أن الله تعالى أنزل على إبراهيم عشر صحائف ، وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف . قوله تعالى ( الذي وفى ) قرأ سعيد بن جبير ، وأبو عمران الجوني ، وابن السميفع اليماني " وفي " بتخفيف الفاء . قال الزجاج : قوله : " وفى " أبلغ من " وفى " لأن الذي امتحن به من أعظم المحن . وللمفسرين في الذي وفي عشرة أقوال : أحدها : أنه وفى عمل يومه بأربع ركعات في أول النهار ، رواه أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . والثاني : أنه وفي في كلمات كان يقولها . روى سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى ؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى : " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون . . " . وختم الآية . والثالث : أنه وفى الطاعة فيما فعل بابنه ، رواه العوفي عن ابن عباس ، وبه قال القرظي . والرابع : أنه وفى ربه جميع شرائع الإسلام ، روى هذا المعنى عكرمة عن ابن عباس . والخامس : أنه وفى ما أمر به من تبليغ الرسالة ، روي عن ابن عباس أيضا . والسادس : أنه عمل بما أمر به ، قاله الحسن ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، وقال مجاهد : وفى ما فرض عليه .