ابن الجوزي

193

زاد المسير في علم التفسير

يحجبه شيء . والمعنى : ونحن أقرب إليه حين يتلقى المتلقيان ، وهما الملكان الموكلان بابن آدم يتلقيان عمله . وقوله : ( إذ يتلقى المتلقيان ) أي : يأخذان ذلك ويثبتانه ( عن اليمين ) كاتب الحسنات ( وعن الشمال ) كاتب السيئات . قال الزجاج : والمعنى : عن اليمين قعيد ، وعن الشمال قعيد ، فدل أحدهما على الآخر ، فحذف المدلول عليه ، قال الشاعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك * راض والرأي مختلف وقال آخر : رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريئا ، ومن أجل الطوي رماني المعنى : كنت منه بريئا . وقال ابن قتيبة : القعيد بمعنى قاعد ، كما يقال : " قدير " بمعنى " قادر " ، ويكون القعيد بمعنى مقاعد ، كالأكيل والشريب بمنزلة : المؤاكل والمشارب . قوله تعالى : ( ما يلفظ ) يعني الانسان ، أي : ما يتكلم من كلام فيلفظه ، أي : يرميه من فمه ، ( إلا لديه رقيب ) أي : حافظ ، وهو الملك الموكل به ، إما صاحب اليمين ، وإما صاحب الشمال ( عتيد ) قال الزجاج : العتيد : الثابت اللازم . وقال غيره : العتيد : الحاضر معه أينما كان . وروى أبو أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كاتب الحسنات على يمين الرجل ، وكاتب السيئات على يساره ، فكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات ، فإذا عمل حسنة كتبها له صاحب اليمين عشرا ، وإذا عمل سيئة ، وأراد صاحب الشمال أن يكتبها ، قال صاحب اليمين : أمسك ، فيمسك عنه سبع ساعات ، فإن استغفر منها لم يكتب عليه شيء ، وإن لم يستغفر كتب عليه سيئة واحدة " . وقال ابن عباس : جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل ، وحافظين في النهار . واختلوا هل يكتبان جميع أفعاله وأقواله على قولين : أحدهما : أنهما يكتبان عليه كل شيء حتى أنينه في مرضه ، قاله مجاهد : والثاني : أنهما لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه ، أو يوزر ، قاله عكرمة . فأما مجلسهما ، فقد نطق القرآن بأنهما عن اليمين وعن الشمال ، وكذلك ذكرنا في حديث أبي أمامة . وقد روى علي كرم الله وجهه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن مقعد ملكيك على ثنيتيك ، ولسانك قلمهما ، وريقك مدادهما ، وأنت تجري فيما لا يعنيك " وروي عن الحسن والضحاك قالا : مجلسهما تحت الشعر على الحنك . قوله تعالى : ( وجاءت سكرة الموت ) وهي غمرته وشدته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقلة وتدله على أنه ميت ( بالحق ) وفيه وجهان : أحدهما : أن معناه : جاءت بحقيقة الموت .