ابن الجوزي
178
زاد المسير في علم التفسير
والثاني : أنها نزلت في ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنيه وقر ، وكان جهوري الصوت فكان إذا كلم إنسانا جهر بصوته فربما كان يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فينادي بصوته فأنزل الله عز وجل ( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم بعضا ) أي لا تغلظوا له في الخطاب ولا تنادوه باسمه : يا محمد ، كما ينادي بعضكم بعضا ، أي لا تغلظوا له في الخطاب ولكن فخموه واحترموه وقولوا له قولا لينا وخطابا حسنا بتعظيم وتوقير يا نبي الله ويا رسول الله . نظيره قوله عز وجل ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) أن تحبط أعمالكم لكي لا تبطلوا حسناتكم وأنتم لا تشعرون . قوله تعالى : ( إن الذين يغضون أصواتهم ) قال ابن عباس : لما نزل قوله : ( لا ترفعوا أصواتكم ) تألى أبو بكر أن لا يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار ، فأنزل الله في أبي بكر : " إن الذين يغضون أصواتهم " ، والغض : النقص كما بينا عند قوله : ( قل للمؤمنين يغضوا ) . ( أولئك الذين امتحن الله قلوبهم ) قال ابن عباس : أخلصها ( للتقوى ) من المعصية . وقال الزجاج : اختبر قلوبهم فوجدهم مخلصين ، كما تقول : قد امتحنت هذا الذهب والفضة ، أي : اختبرتهما بأن أذبتهما حتى خلصا ، فعلمت حقيقة كل واحد منهما . وقال ابن جرير : اختبرها بامتحانه إياها ، فاصطفاها وأخلصها للتقوى . إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ( 4 ) ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم ( 5 ) قوله تعالى : ( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ) في سبب نزولها ثلاثة أقوال : أحدها : أن بني تميم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادوا على الباب : يا محمد اخرج إلينا ، فإن مدحنا زين وإن ذمنا شين ، فخرج وهو يقول : " إنما ذلكم الله " فقالوا : نحن ناس من بني تميم جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك ، فقال : " ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت ، ولكن هاتوا " ، فقال الزبرقان بن بدر لشاب منهم : قم فاذكر فضلك وفضل قومك ، فقام فذكر ذلك ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس ، فأجابه ، وقام شاعرهم ، فأجابه حسان ، فقال الأقرع بن حابس : والله ما أدري ما هذا الأمر ؟ ! تكلم خطيبنا فكان خطيبهم أحسن قولا ، وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر ، ثم دنا فأسلم ، فأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساهم ، وارتفعت الأصوات وكثر اللغط عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية ، هذا قول جابر بن عبد الله في آخرين . وقال ابن إسحاق : نزلت في جفاة بني تميم ، وكان