ابن الجوزي
14
زاد المسير في علم التفسير
أحدها : تقشعر من وعيده ، وتلين عند وعده ، قاله السدي . والثاني : تقشعر من الخوف ، وتلين من الرجاء . والثالث : تقشعر الجلود لإعظامه ، وتلين عند تلاوته ، ذكرهما الماوردي . وقال بعض أهل المعاني : مفعول الذكر في قوله [ تعالى ] : ( إلى ذكر الله ) محذوف ، لأنه معلوم ، والمعنى : تطمئن قلوبهم إلى ذكر الله الجنة والثواب . قال قتادة : هذا نعت أولياء الله ، تقشعر جلودهم وتلين قلوبهم ، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم ، إنما هذا في أهل البدع ، وهذا من الشيطان . وقد روى أبو حازم ، قال : مر ابن عمر برجل ساقط من أهل العراق ، فقال : ما شأنه ؟ فقالوا : إنه إذا قرئ عليه القرآن يصيبه هذا ، قال : إنا لنخشى الله عز وجل ، وما نسقط . وقال عامر بن عبد الله بن الزبير : جئت أبي ، فقال لي : أين كنت ؟ فقلت : وجدت قوما ، ما رأيت خيرا منهم قط ، يذكرون الله عز وجل فيرعد واحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله عز وجل ، فقعدت معهم ، فقال : لا تقعد معهم بعدها أبدا ، قال : فرآني كأني لم يأخذ ذلك في ، فقال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن ، ورأيت أبا بكر وعمر يتلوان القرآن فلا يصيبهم هذا من خشية الله تعالى ، أفترى أنهم أخشى لله من أبي بكر وعمر ؟ قال : فرأيت ذلك كذلك . وقال عكرمة : سئلت أسماء بنت أبي بكر : هل كان أحد من السلف يغشى عليه من الخوف ؟ قالت : لا ، ولكنهم كانوا يبكون . وقال عبد الله بن عروة بن الزبير : قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر ، كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن ؟ قالت : كانوا كما نعتهم الله تعالى ، تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم . فقلت لها : إن ناسا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن ، خر أحدهم مغشيا عليه ، فقالت : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، وكان جواب يرعد عند الذكر ، فقال له إبراهيم النخعي : إن كنت تملكه ، فما أبالي أن لا أعتد بك ، وإن كنت لا تملكه ، فقد خالفت من كان قبلك . قوله تعالى : ( ذلك هدى الله ) في المشار إليه قولان : أحدهما : أنه القرآن ، قاله مقاتل . والثاني : أنه ما ينزل بالمؤمنين عند تلاوة القرآن من اقشعرار الجلود عند الوعيد ، ولينها عند الوعد ، قاله ابن الأنباري . أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون ( 24 )